فقه – مباحث طهارت – جلسه 12
المقام الأول: في انفعال الماء المضاف بملاقاة النجاسة
أما المقام الأول، فهو في أنّ الماء المضاف هل ينفعل بمجرد ملاقاة النجاسة أم لا؟
لا إشكال، بل لا خلاف يعتدّ به، في أنّ الماء المضاف ينجس بملاقاة النجاسة، بل ادّعي عليه الإجماع، وتحقّق عليه تسالم الأصحاب، ولم ينقل عن أحد منهم التوقف في أصل الحكم.
ويدل عليه ما ورد في أبواب الأسآر من الأخبار الدالة على النهي عن استعمال سؤر الكلب والخنزير والكافر والناصبي ونحوهم؛ فإنّ المستفاد من مجموعها حرمة استعمال سؤرهم.
ووجه الاستدلال: أنّه لولا تنجس السؤر بملاقاة أبدانهم النجسة، لم يكن وجه للنهي عن استعماله.
ثم إنّ المراد بالسؤر ليس خصوص الماء، ولا خصوص ما يبقى بعد الشرب، بل كل ما لاقى فم الحيوان أو بدنه، فيشمل الماء المضاف أيضاً.
فتحصل من مجموع هذه الأخبار كبرى كلية، وهي أنّ الملاقاة للنجاسة مقتضية لتنجس الملاقي مطلقاً، وما خرج عن هذا الأصل فإنما خرج بالدليل الخاص، ولا دليل في المقام على خروج الماء المضاف، فيبقى تحت العموم.
ويؤيده أيضاً موثقة عمار بن موسى الساباطي المتقدمة، حيث قال عليه السلام:
«يُغسل كلُّ ما أصابه ذلك الماء، ويعيد الوضوء والصلاة.»
فإنها ظاهرة في ترتب حكم النجاسة على مطلق الملاقاة.
المقام الثاني: في عدم الفرق بين قليل الماء المضاف وكثيره
وأما المقام الثاني، فهو في أنّه هل يفرق بين قليل الماء المضاف وكثيره، أو لا؟
والحق: عدم الفرق بينهما، وأنّ الكثير منه كالقليل ينجس بمجرد ملاقاة النجاسة.
وذلك لأنّ المستفاد من أخبار الأسآر أنّ التنجس أثر نفس الملاقاة، من غير مدخلية للقلة والكثرة.
كما أنّ موثقة عمار قد دلّت على وجوب غسل كل ما أصابه الماء المتنجس، فيكشف ذلك عن أنّ كل ما لاقى النجاسة تنجس، سواء أكان قليلاً أم كثيراً، وسواء أكان ماءً أم مائعاً مضافاً.
فمن ادعى خروج بعض المائعات عن هذا الأصل، فعليه إقامة الدليل.
وقد قام الدليل في الماء الكر على عدم انفعاله، وأما الماء المضاف وسائر المائعات فلا دليل على استثنائها، قليلاً كانت أو كثيرة.
ويؤيد ذلك أيضاً جملة من الأخبار.
منها: ما ورد في بعض أخبار الأسآر من استثناء الحوض الكبير، حيث جاء فيه:
«يُستقى منه.»
فإنّ هذا التعبير ظاهر في الحوض العظيم الذي يستقى منه للناس أو للدواب، وهو لا يكون عادة إلا بقدر الكر أو أزيد.
فيدل ذلك على أنّ الخارج عن حكم الانفعال إنما هو الماء الكثير خاصة، وأما غيره، ومنه المائعات المضافة، فتبقى تحت عموم الحكم.
ومنها: ما ورد في الفأرة تقع في السمن أو الزيت، فإن كان جامداً ألقيت وما حولها، وأكل الباقي، وإن كان ذائباً فلا يؤكل، ويستصبح به.
ثم قال عليه السلام:
«والزيت مثل ذلك.»
وظاهره أنّ الحكم غير مختص بالسمن والزيت، بل المدار على كونه مائعاً.
فكل مائع لاقى النجاسة تنجس، من غير فرق بين قليله وكثيره.
ولا ريب أنّا نقطع بعدم الخصوصية للسمن والزيت في هذا الحكم، وإنما العبرة بكون المائع قابلاً للسريان.
ومنها: ما رواه عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام، في الحشرات، كالبعوض والجراد والنمل ونحوها، إذا ماتت في البئر أو في الزيت أو السمن، فقال عليه السلام:
«كل ما ليس له دم فلا بأس.»
فإنّ مفهومه أنّ ما له دم إذا وقع في هذه المائعات ومات فيها أوجب نجاستها.
كما أنّ ذكر السمن والزيت إنما هو من باب المثال، لا لخصوصية فيهما.
فيكون إطلاق الرواية شاملاً لجميع المائعات، مطلقها ومضافها، قليلها وكثيرها.
و یویده ایضا ما ورد في رواية السكوني في المرق الذي وقعت فيه فأرة فماتت، وما رواه زكريا بن آدم في العرق الذي وقعت فيه قطرة خمر أو نبيذ.
فقد أمر عليه السلام في الجميع بإراقة المائع، وغسل اللحم ثم الانتفاع به.
وهما ظاهرتان في أنّ المائعات تنجس بالملاقاة وإن كثرت.
وقد يدعى انصراف هذه الأخبار عن الماء المضاف الكثير، نظراً إلى ندرة وجوده في الخارج.
وفيه:
أولاً: أنّا قد ذكرنا غير مرة أنّ منشأ الانصراف كثرة الاستعمال، لا مجرد كثرة الوجود الخارجي.
وثانياً: أنّ أصل الدعوى ممنوع؛ فإنّ وجود المائعات الكثيرة في الأزمنة السابقة لم يكن نادراً، بل كانت الألبان والأدهان والأسمان والأطعمة تحفظ في أوعية عظيمة، وربما بلغت مقدار الكر أو أزيد، ولا سيما في القرى والبوادي.
فلا موجب لدعوى الانصراف.
ثم إنّ هنا مؤيداً عقلياً لا بأس بالإشارة إليه.
وهو أنّ من التزم بعدم انفعال المائع الكثير بالملاقاة، فلا يخلو: إما أن يلتزم بعدم تنجس شيء منه أصلاً، وهو مخالف لظاهر الأخبار.
وإما أن يلتزم بتنجس المقدار المحيط بموضع الملاقاة خاصة.
وحينئذٍ يقال: ما هو حدّ ذلك المقدار؟
فإن وقع قطرة دم في قدر عظيم من المرق، فما المقدار الذي يحكم بنجاسته؟ أذراعاً؟ أو شبراً؟ أو أقل أو أكثر؟
ولا دليل شرعياً على تعيين شيء من ذلك.
فلا مناص من الالتزام بتنجس الجميع، وهو مؤيد آخر لما دلّت عليه الأخبار من انفعال الماء المضاف، وإن كان كثيراً، بمجرد ملاقاة النجاسة.
















ثبت دیدگاه