فقه – مباحث طهارت – جلسه 106
وأما عند الرجوع إلى الأصول العملية، فهل يحكم بطهارة الماء المتمم إلى الكر مطلقا، أو يختص ذلك بصورة التتميم بالماء الطاهر؟
فعلى مبنى المشهور القائلين بجريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية، إذا كان الماء المتمم نجسا أيضا، فلا مانع من استصحاب نجاسة كلا الماءين، ولا معارض له، ولعل هذا هو وجه ما أفاده الشيخ من أنه لا إشكال في نجاسة الماء المتمم بالماء النجس.
وأما إذا كان الماء المتمم طاهرا، سواء امتزج بالماء النجس أم لم يمتزج، فإن استصحاب النجاسة في الماء النجس يعارضه استصحاب الطهارة في الماء الطاهر.
فإن امتزجا، فالتعارض ظاهر؛ لأنهما يعدان عرفا ماء واحدا وموضوعا واحدا.
وإن لم يمتزجا، فكذلك أيضا، للإجماع القطعي على أن الماء الواحد لا يمكن أن يكون محكوما بحكمين مختلفين واقعا ولا ظاهرا، فيتساقط الاستصحابان، وتصل النوبة إلى قاعدة الطهارة.
وأما على مبنى من لا يرى جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية، فلا مجال لاستصحاب النجاسة ولا الطهارة في شيء من الصورتين، بل المرجع في كليهما قاعدة الطهارة، سواء تمم الماء النجس بالماء الطاهر حتى يبلغ حد الكر، أم بالماء النجس، وسواء حصل الامتزاج بينهما أم لم يحصل.
وهذه النتيجة هي بعينها ما اختاره ابن إدريس.
وقد يستدل على طهارة الماء البالغ حد الكر بالتتميم بروايات اعتصام الماء الكر، بتقريب آخر، كقوله عليه السلام:
«إذا بلغ الماء قدر كر لا ينجسه شيء».
وحاصل التقريب: أن عنوان الكرية هو موضوع الحكم بالاعتصام، سواء تحققت الكرية مقترنة بالملاقاة أم متقدمة عليها، وقد تقدم أن المعتبر في الموضوع إنما هو التقدم الرتبي والطبيعي، دون التقدم الزماني.
فمقتضى هذه الروايات أن الماء الكر معتصم على الإطلاق، ولما كانت الكرية قد تحققت في المقام، وصدق على الماء بالفعل أنه كر، وجب الحكم بطهارة الماء الذي بلغ حد الكر بانضمام ماء آخر إليه؛ إذ قد تحقق فيه عنوان الكر، وإن حصلت هذه الكرية بنفس تلك الملاقاة.
وكذلك يجب الحكم بطهارة الماء المتمم أيضا؛ للإجماع القطعي على أن الماء الواحد لا يجتمع فيه حكمان متضادان، ولا سيما بعد الامتزاج وانتشار الأجزاء الدقيقة لكل واحد منهما في الآخر.
فإنه بعد الامتزاج تنتشر الأجزاء الصغيرة لكل من الماءين في جميع أجزاء الآخر، وهذه الأجزاء وإن أمكن تمييزها عقلا، إلا أنها غير قابلة للفصل خارجا، فيتعين الحكم بأن كل قطرة من الماء النجس التي اتصلت بالماء المحكوم بالطهارة قد طهرت أيضا؛ لأن الجميع صار ماء واحدا.
وفيه:
إن التقدم الرتبي وإن كان كافيا في تحقق الموضوع، والكرية في المقام متقدمة رتبة، إلا أن ذلك إنما يقتضي الحكم بالطهارة إذا لم تكن الكرية مستندة إلى نفس ملاقاة النجاسة.
وذلك لأن المستفاد من الروايات أن موضوع الاعتصام هو الماء الذي بلغ حد الكر استقلالا قبل الملاقاة، لا الكرية الحاصلة بنفس تلك الملاقاة.
أما إذا كانت الكرية متحققة بسبب تلك الملاقاة، فإنه يصدق حقيقة أن النجاسة قد لاقت ماء قليلا؛ لأن الماء حين وقوع الملاقاة كان قليلا، وهذا هو بعينه موضوع الحكم بالانفعال.
فإذا تحقق موضوع الانفعال أولا، حكم بنجاسة الماء، ولا تكون الكرية الحاصلة من نفس تلك الملاقاة صالحة لدفع ذلك الحكم.
وبعبارة أخرى: ظاهر الروايات أن الكرية جعلت عاصمة وحافظة عن النجاسة، أي في الماء الذي لم يكن محكوما بالنجاسة قبل ذلك.
أو يقال – كما تقدم – إن روايات الكر منصرفة عن الماء النجس الذي بلغ حد الكر بالتتميم، وإنما تشمل الماء الذي له اعتصام حقيقي.
وأما في محل الكلام، فإن الماء قد حكم بنجاسته بسبب الملاقاة قبل تحقق الكرية، فلا يكون بعد ذلك مشمولا لأدلة الاعتصام.
















ثبت دیدگاه