فقه – مباحث طهارت – جلسه 30
الوجه الرابع لاثبات النجاسة
لنفرض ان عندنا ماء قد القي فيه شيء من الصبغ الاحمر، لا بمقدار يوجب تغير لونه، بل بحيث لم يبق بينه وبين ظهور اثر التغير الا مقدار يسير. ثم القي فيه مقدار قليل من الدم، فظهر تغير اللون.
في مثل ذلك يستبعد الفقيه غاية الاستبعاد الحكم بنجاسة الماء بهذا المقدار اليسير من الدم؛ فان هذا التغير وان كان متحققا خارجا، الا ان قلة الدم تمنع من شمول اطلاقات ادلة الانفعال له.
ومرجع ذلك الى ان التغير المعتبر في باب النجاسة هو ما كان ليتحقق في الظروف المتعارفة، اعني مع قطع النظر عن العوارض الخارجية، كاللون السابق ونحوه.
وفي الفرض المذكور، لو فرض الماء خاليا عن الصبغ، لم يكن هذا المقدار من الدم موجبا للتغير، فلا يحكم بنجاسته.
فالمناط في الحكم، وجودا وعدما، هو التغير الذي يتحقق لو لا الطوارئ اي العوامل الخارجية.
ومن هنا، ففي المثال المتقدم، وان حصل التغير خارجا، الا انه لم يكن ليتحقق لولا انضمام الصبغ، فلا يوجب النجاسة.
واما في محل الكلام، فمع ان التغير الحسي غير ظاهر، الا انه لو ارتفع الصبغ لتحقق التغير قطعا، فينبغي الحكم بالنجاسة.
نعم، يمكن المناقشة في هذا الوجه ايضا، بان الحكم بالطهارة في المثال المذكور ليس من جهة عدم التغير لولا الطوارئ، بل لان التغير الفعلي غير مستند الى الدم استقلالا.
فان الحاصل خارجا انما هو اثر مجموع الدم والصبغ، لا اثر الدم وحده، فينسجم الحكم بالطهارة مع كون الميزان هو التغير الفعلي المستند الى الدم.
الوجه الخامس
الاستدلال بما ورد في الاخبار، كقوله عليه السلام:
«اذا كان الماء قاهرا فلا باس.»
وقوله: «كلما غلب الماء على ريح الجيفة فتوضا منه واشرب.»
ووجه الاستدلال ان المستفاد من هذه النصوص ان المدار في الطهارة هو غلبة الماء وقاهريته، فاذا لم يكن الماء غالبا على النجاسة، كان محكوما بالنجاسة.
وفيه: ان هذا الاستدلال غير تام؛ لان اطلاق هذه الروايات ـ لو سلم ـ يعارض الاخبار الدالة على طهارة الماء ما لم يحصل فيه تغير محسوس، وان لم يكن غالبا وقاهرا.
فبين الطائفتين تعارض، ومع عدم المرجح يكون المرجع قاعدة الطهارة.
الا انا سنذكر في ختام البحث ان المختار هو الاخذ باخبار التغير الحسي، على النحو الذي تقدم، مع تقييدها بما اذا وجد التغير واقعا، ومنع مانع من ظهوره للحس.
فاذا كان التغير قد تحقق في الواقع، وكان تغيرا حسيا بالفعل، غير ان مانعا حال دون ظهوره، لم يبعد ـ بل لعله الاقوى ـ الحكم بالنجاسة.
الوجه السادس
كما اشرنا اليه في اوائل البحث، يمكن ان يقال: ان التغير في الروايات لم ياخذ موضوعا استقلاليا، بل جعل طريقا وعلامة.
وبيانه:
ان قلنا بان التغير هو الموضوع الواقعي للحكم، اشكل الحكم في محل الكلام؛ لعدم ظهور التغير حسا.
واما اذا قلنا ـ بمقتضى الارتكاز العرفي ـ ان التغير امارة على تحقق الملاك الواقعي، لا انه بنفسه تمام الموضوع، فلا بد من البحث عما يكون التغير طريقا اليه، وهل هو موجود في المقام ام لا؟
والعرف يدرك ان تاثير الدم في الماء يختلف باختلاف شدة لونه وضعفه، كما يختلف باختلاف كثرته وقلته.
وعلى فرض كون التغير طريقا، فهنا احتمالات:
الاول: ان يكون طريقا الى مقدار مخصوص من النجاسة.
اي ان التغير كاشف عن وجود مقدار معين من النجاسة.
وهو خلاف الظاهر؛ لان الروايات في مقام بيان الحكم الواقعي، لا جعل الامارات والاحكام الظاهرية.
الثاني: ان يكون طريقا الى اقل مقدار من الدم المؤثر في التغير.
بحيث لو وجد ذلك المقدار، ولم يظهر التغير لفقد بعض الشرائط، حكم بالنجاسة.
وهو ايضا بعيد؛ لان ظاهر الروايات ان الحكم بالطهارة عند عدم التغير حكم واقعي، لا ظاهري.
الثالث: ان يكون طريقا الى اجتماع جميع الجهات الدخيلة في تاثير الدم، من كميته، وشدة لونه، وعدم وجود لون مماثل في الماء.
وعلى هذا، لا يكون وجود اللون السابق في الماء دخيلا في اصل التنجس.
الا ان هذه الطريقية ترجع في الحقيقة الى نفس الموضوع الواقعي، ويكون التغير كاشفا عما هو موضوع الحكم الشرعي.
وبالجملة: ان الذي يفهمه العرف من مجموع الروايات ـ كما تقدم ـ ان المراد بالتغير هو التغير المحسوس في اللون او الطعم او الريح، وانه هو الموضوع للحكم بالنجاسة.
فالمناط اولا هو التغير الحسي بما هو هو.
ومن جهة اخرى، لو سلم كون التغير طريقا، فان الوجوه المتقدمة لا تخلو عن الاشكال؛ لان ارجاع الحكم الى مقدار مجهول من النجاسة مما لا شاهد عليه.
الا ان العرف يفهم من النصوص ان عدم التغير انما يكشف عن عدم بلوغ النجاسة حد التاثير.
فاذا كانت النجاسة واجدة لذلك المقدار وتلك الكيفية، غير ان مانعا ظاهريا ـ كاللون السابق ـ حال دون ظهور اثرها، كان الملاك موجودا.
وعلى القول بان التغير بنفسه هو الموضوع ايضا، فالموضوع متحقق في المقام؛ لان التغير الحسي قد وقع واقعا، وانما امتنع ظهوره بسبب المانع.
وعليه، يصدق عرفا عنوان «التغير بالنجاسة» في هذا الماء، وفي نظائره مما نحن فيه.
















ثبت دیدگاه