فقه – مباحث طهارت – جلسه 29
كان الكلام في كفاية التغيّر التقديري وعدمه. وقد تقدّم أنّ التغيّر المأخوذ موضوعا للحكم بالنجاسة في لسان الأدلّة ليس هو التغيّر الواقعي الذي لا يدرك إلا بالوسائل العلميّة الدقيقة، بل المراد به التغيّر الحسّي المتعارف.
ويدلّ عليه أوّلاً: أنّ ظاهر الروايات وسياقها منصرفان عن مثل هذا الفرض؛ فإنّ العرف لا يفهم من قوله عليه السلام: «ما غيّر لونه أو طعمه أو ريحه» إلا التغيّر المحسوس، لا التغيّرات الدقيقة التي لا تُدرك إلا بالتأمّلات العقليّة أو الآلات العلميّة.
وثانياً: أنّ ذلك لا يلائم بعض النصوص، كرواية شهاب بن عبد ربّه، حيث سأل الإمام عليه السلام عن معنى التغيّر، فقال: «الصفرة». ومن الواضح أنّ الماء قبل أن يبلغ حدّ الاصفرار قد طرأت عليه مراتب من التغيّر الواقعي، ومع ذلك لم يجعلها الشارع موضوعاً للحكم.
ويقتضي الأصل العملي أيضا الحكم بالطهارة ما لم يتحقّق التغيّر الحسّي. كما أنّ صحة السلب عرفا من أمارات الحقيقة؛ فإنّه يقال عرفاً: «لم يتغيّر الماء» فيما إذا كان التغيّر عقلياً أو تقديرياً محضاً، فيكشف ذلك عن عدم صدق عنوان التغيّر حقيقة في مثله.
وقد ادعي في المصابيح الإجماع على عدم الاعتداد بالتغيّر التقديري في الماء مسلوب الصفة. على أنّا قد ذكرنا سابقاً أنّ التغيّر التقديري يكتنفه الإبهام؛ إذ لا يدرى هل المدار على الصفات النوعيّة للماء أو الشخصيّة، ولكل مراتب متفاوتة شدّة وضعفاً، فلا ضابط شرعيّاً لتقدير ذلك.
فالمعتبر في سراية النجاسة إنّما هو التغيّر الحسّي الفعلي. نعم، سيأتي أنّه لا يبعد الاعتداد بالتغيّر التقديري فيما إذا تحقّق التغيّر واقعاً، ولكن منع مانع من ظهوره للحسّ. وأمّا ما لم يتحقّق في الخارج أصلاً، وإنّما فرض تقديراً، فلا أثر له شرعاً.
فظهر أنّ المراد بالتغيّر في الروايات ليس مطلق مراتب التغيّر، بل ما بلغ حدّ الإدراك الحسّي والعرفي.
ثم وقع الكلام في أنّ هذا التغيّر هل يعتبر تحقّقه فعلاً، أو يكفي تحقّقه تقديراً؟
وبعبارة أخرى: هل المدار على حصول التغيّر خارجاً، أو يكفي أنّه لو لا المانع لتحقّق؟
وقد تقدّم أنّ التغيّر التقديري يتصوّر على أنحاء ثلاثة:
1. قصور المقتضي.
2. فقد الشرط.
3. وجود المانع.
وقد اتفق على الثاني، وبقي الخلاف في الأوّل والثالث. والكلام فعلا في الثالث، وهو وجود المانع.
الوجه الأوّل لإثبات النجاسة عند وجود المانع
يقال: إذا كان الماء قد اختلط أوّلاً بالصبغ، ثم أُلقي فيه الدم، فإنّ زوال وصف الماء الطبيعي ـ أعني صفاءه وعدم لونه ـ وإن كان مستنداً حدوثاً إلى الصبغ، إلا أنّ بقاء هذا الوصف واستمراره مستند إلى مجموع الصبغ والدم.
وذلك لأنّ كلا منهما صالح للاستقلال بإزالة الوصف الطبيعي، فإذا اجتمعا صار كل منهما جزء العلّة، فيصح عرفاً إسناد بقاء التغيّر إلى كلٍّ منهما، ومنه الدم، فيشمله إطلاق ما دلّ على انفعال الماء بالتغيّر المستند إلى الدم.
وفيه: أنّ التغيّر المأخوذ موضوعا في الأدلّة هو التغيّر الحدوثي، لا البقائي. فإنّ المدار على التغيّر الذي يطرأ أوّلا على الماء.
وفي المقام لم يحدث الدم تغيّرا جديدا، لأنّ الوصف الطبيعي قد زال قبل ذلك بالصبغ، فلم يكن للدم أثر في حدوث التغيّر.
فالميزان إمّا حدوث وصفٍ جديد، أو زوال وصف سابق، وكلاهما مفقود هنا؛ إذ الدم لم يحدث وصفاً جديداً، ولم يزل وصفاً باقياً.
نعم، لو كان الموضوع في الأدلّة مجرّد تأثير الدم في الماء لأمكن التمسّك بذلك، إلا أنّ الموضوع هو نفس التغيّر، وهو مستند حدوثاً إلى الصبغ لا إلى الدم، فلا يثبت الحكم بالنجاسة.
الوجه الثاني
لو فرضنا ماء كرا صافيا، فالقي فيه في آنٍ واحد صبغ أحمر ودم، وكان كلٌّ منهما صالحاً وحده لإحداث تغيّر اللون.
فالدم في هذا الفرض صالح لأن يكون علة تامة للتغيّر الحدوثي، فيندرج تحت إطلاق قوله عليه السلام: «ما غيّر لونه أو طعمه أو ريحه».
ثم يقال: إنّ العرف لا يرى فرقاً بين هذا الفرض، وبين ما إذا سبق الصبغ ثم لحقه الدم.
إذ لو حكم بالنجاسة في الأوّل دون الثاني، لزم أن يكون مجرّد تلوّن الماء موجباً لازدياد اعتصامه، وهو ممّا لا يساعد عليه الارتكاز العرفي.
فبدلالة هذا الارتكاز تلحق الصورة الثانية بالأولى.
الوجه الثالث
لو كان عندنا ظرفان من الماء الكرّ متساويين من جميع الجهات، إلا أنّ أحدهما ملون والآخر صاف، ثم ألقي في كل منهما مقدارٌ واحد من الدم.
فلا ريب أنّ الماء الصافي يتغيّر ويحكم بنجاسته، وأمّا الملوّن فلا يظهر فيه أثر التغيّر بسبب غلبة اللون السابق.
فلو قيل بطهارة الثاني ونجاسة الأوّل، للزم أن يكون الماء الملون اشد اعتصاماً من الصافي، وهو ممّا يأباه الارتكاز العرفي؛ إذ لا يرى العرف بين مجرّد اللون وبين قوّة العصمة ملازمةً.
فما دلّ على نجاسة الماء الصافي بالتغيّر يدل عرفاً، بالملازمة، على نجاسة الماء الملون أيضاً.
الجواب عن الوجه الثالث
ولعلّه يقال: إنّا نسلّم الفرق بين الصورتين، لكن لا من جهة أنّ اللون يقوّي اعتصام الماء، بل لأنّه يمنع من تحقّق التغيّر.
وبيانه: أنّ مقتضي الاعتصام ـ وهو كثرة الماء ـ موجود في كلتا الصورتين، والمانع هو التغيّر.
إلا أنّ هذا المانع لا يتحقّق في الماء الملوّن؛ لأنّ اللون السابق يمنع من ظهور أثر الدم.
فاللون ليس سببا لتقوية الاعتصام، وإنّما هو مانع من تحقّق المانع، وبين الأمرين فرق واضح.
ولتقريب ذلك: لو كان عندنا ماء كثير وماء قليل، فإنّ كثرة الماء تقوّي مقتضي الطهارة، ولذلك لا تنفعل الكثرة بما تنفعل به القلّة.
وأمّا لو كان عندنا إناءان من الماء القليل، فشرب الكلب من أحدهما، ولم يشرب من الآخر لنفرة من رائحته، فإن الثاني لا ينجس، لا لأنّ الرائحة زادت في اعتصامه، بل لأنّها منعت من تحقّق موضوع النجاسة.
وكذلك المقام؛ فإن اللون السابق مانع من تحقق التغيّر، لا أنّه سبب في زيادة طهارة الماء.
إلّا أن هذا الجواب، وإن كان متينا بحسب الصناعة، لا يدفع ما يستفاد من الارتكاز العرفي من الحكم بنجاسة الماء الملوّن أيضاً.
فلابدّ من التأمّل في منشأ هذا الارتكاز، وما هو الوجه الذي أوجب للعقلاء فهم النجاسة في هذه الصورة.
















ثبت دیدگاه