فقه – مباحث طهارت – جلسه 25
ويرجع حاصل الصور الثلاث المذكورة في الدليل العقلي الى ما يلي:
اما الصورة الاولى، وهي ما اذا القي الماء المتنجس المتغير في الماء الكر، فان المتنجس يستهلك في الكر، فيرتفع موضوع النجاسة عرفا، ويحكم بطهارة الماء. ولا ينافي ذلك الادلة الدالة على ان الماء المتغير لا يطهر الا بزوال تغيره؛ لان مورد تلك الادلة بقاء موضوع الماء المتغير، واما هنا فقد فرض ارتفاع موضوعه بالاستهلاك.
واما الصورة الثانية، وهي ما اذا استهلك الماء الكر في الماء المتنجس، فالكر يزول موضوعه، ويصير تمام المائع نجسا. وهذا ايضا لا ينافي ادلة اعتصام الكر، ولا ادلة انفعال الماء بالتغير عند ملاقاة عين النجاسة؛ لان ادلة الاعتصام ناظرة الى فرض بقاء الكر، والمفروض في المقام انعدامه بالاستهلاك.
واما الصورة الثالثة، وهي ما اذا لم يستهلك احدهما في الاخر، فحينئذ يقع التعارض بين ادلة انفعال الماء المتغير بعين النجاسة، وادلة اعتصام الكر من جهة، وبين الادلة الدالة على ان الماء المتغير لا يطهر الا بزوال تغيره من جهة اخرى.
فمقتضى الطائفة الاولى طهارة الماء في المقام؛ لانه ماء مطلق لم يلاق عين النجاسة. ومقتضى الطائفة الثانية نجاسته؛ لانه ماء متغير، ولم يزل تغيره. ولا يعقل الحكم في ماء واحد بالطهارة والنجاسة معا.
فيدور الامر بين الحكم بطهارته تمسكا باعتصام الكر، او الحكم بنجاسته بلحاظ اتصاله بالماء المتنجس. ومع عدم المرجح تتعارض الادلة وتتساقط، ويرجع الى قاعدة الطهارة. ومن هنا لا يبقى لاثبات نجاسة هذا الماء المتغير بواسطة الماء المتنجس الا الوجه الثاني، وهو التمسك باطلاق صحيحة ابن بزيع، وقد تقدم الكلام فيه.
ويمكن اقامة وجه اخر لنجاسة الكر المتغير باوصاف النجاسة بسبب ملاقاة المتنجس، لا من جهة اطلاق صحيحة ابن بزيع، بل من جهة دلالتها الالتزامية.
وبيانه: ان الامام عليه السلام امر بنزح ماء البئر حتى يذهب ريحه ويطيب طعمه. ومن الواضح ان المقصود ليس مجرد نقصان الماء حتى تزول الرائحة، بل لان الماء الجديد يخرج من المادة ويختلط بالماء المتغير، فيغلب عليه شيئا فشيئا حتى يزول التغير.
ويستفاد من ذلك ان الماء الخارج من المادة حين اتصاله بالماء المتغير يحكم بنجاسته اولا؛ لانه لاقى ماء متنجسا، ثم اذا غلب عليه وازال التغير حكم بطهارته. فيكشف ذلك عن ان كل ماء يلاقي متنجسا حاملا لاوصاف النجاسة ويتاثر بها يكون نجسا، الى ان تزول تلك الاوصاف بالغلبة والاستهلاك.
واما الفرض الثاني، وهو ما اذا وقع المتنجس في الماء فغيره باوصافه هو، كرائحة طيبة او نحوها، لا باوصاف النجاسة، فقد تقدم ان الماء محكوم بالطهارة؛ لان تغيره لم يكن باوصاف النجاسة.
وقد استدل بعضهم بحديث: «خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شيء الا ما غير لونه او طعمه او ريحه»، بدعوى ان قوله: «ما غير» يعم النجس والمتنجس.
وفيه: اولا، ان الحديث لم يثبت سندا في طرق اصحابنا، وانما روي من طرق العامة. وثانيا، ان ذيل صحيحة ابن بزيع: «حتى يذهب الريح ويطيب طعمه» قرينة واضحة على ان المراد تغير الماء بالرائحة الخبيثة؛ اذ لو كان التغير برائحة طيبة او طعم حسن، لم يكن لقوله: «حتى يذهب الريح» وجه ظاهر.
فيظهر ان الرواية مختصة بما اذا كان التغير ناشئا من اوصاف النجاسات.
فتحصل ان القدر المتيقن من الروايات هو انفعال الماء اذا كان تغيره مستندا الى عين النجاسة. وكذلك سائر الروايات المتقدمة، فانها جميعا واردة في التغير الحاصل بالبول او الميتة ونحوهما من الاعيان النجسة، ولا يستفاد من شيء منها انفعال الماء بمجرد التغير الحاصل من المتنجسات. فراجع.
والحاصل: ان الماء المطلق بجميع اقسامه اذا تغير باوصاف النجاسة، وكان يصدق عرفا ـ حتى في مورد المتنجس الحامل لاوصاف النجاسة ـ انه تغير بالنجاسة، كان ذلك كافيا في الحكم بنجاسته.
وعليه، فاما ان يكون التغير مستندا الى عين النجاسة مع ملاقاتها، واما ان يصدق عرفا انه تغير باوصاف النجاسة، كما في مثال الماء المتنجس برائحة الميتة اذا القي في الكر.
وان ذكرت في المقام وجوه متعددة، الا ان المهم ان الفرض المذكور لا تتحقق فيه ملاقاة عين النجاسة، واكثر الادلة ظاهرة في اعتبارها، الا ما استفدناه من صحيحة ابن بزيع في الوجهين المتقدمين، حيث دلت على ان الماء اذا تغير باوصاف النجاسة، وان لم تحصل له ملاقاة مباشرة مع عين النجاسة، بقي الحكم بنجاسته.
فالعمدة في امثال هذه الموارد ملاحظة الصدق العرفي، فان صدق عرفا ان الماء قد تغير بالنجاسة، حكم بنجاسته لتاثره باوصاف النجاسة المنتقلة اليه من الماء المتنجس.
















ثبت دیدگاه