فقه – مباحث طهارت – جلسه 19
المسألة: «المضاف النجس يطهر بالتصعيد كما مرّ، وبالاستهلاك في الكرّ أو الجاري…».
وهذه هي المسألة التي ذكرها المحقق الیزدی في العروة الوثقى. وقد تقدم الكلام في صدرها وذكرنا أن الماء المضاف المتنجس لا يطهر بالتصعيد بحسب الارتكاز العرفي؛ فإن أجزاء النجاسة لا تنعدم حقيقة، وإنما تتفرق وتصغر بحيث لا يبقى لها قابلية السراية، فإذا اجتمعت ثانياً وصارت ماءً، عدّها العرف عين الماء الأول، لا ماءً جديداً.
مضافاً إلى أنه لم يرد في شيء من الأخبار عنوان مستقل يدل على تطهير الماء المضاف، أو غيره من المائعات المتنجسة، بواسطة التصعيد. وكما أن أصل الطهارة والنجاسة أمر شرعي تابع لجعل الشارع، فكذلك كيفية التطهير لا بد من أخذها من الأدلة الشرعية، ولا دليل فيها على حصول الطهارة بالتصعيد.
وأما دعوى أن العرف يرى الموضوع بعد التصعيد غير الموضوع السابق، فلا يخلو عن بُعد، بل هو على خلاف المرتكز العرفي، كما تقدم بيانه.
ويظهر من عبارة السيد في العروة أنه حصر طريق تطهير الماء المضاف المتنجس في أمرين:
الأول: التصعيد.
الثاني: استهلاكه في الماء المعتصم، كالكرّ أو الجاري أو ذي المادة.
وأما الماء المضاف المتنجس إذا استهلك في الماء المعتصم، فتصور فيه وجوه:
الوجه الأول: الانعدام العرفي وانتفاء الموضوع
قد يقال: إن المستهلك يزول عرفاً، فلا يرى له وجود مستقل، بل يفنى عنوان الماء المضاف في الماء المطلق، وينتفي موضوع النجاسة بانتفاء موضوعه، ولا يبقى إلا ازدياد مقدار الماء، كما لو كان الماء منّاً فصار منّاً ونصفاً.
وفيه: أنه لو كان المدار مجرد الانعدام العرفي، للزم الحكم بالطهارة في كل مورد يتحقق فيه هذا الانعدام، وإن لم يكن الاستهلاك في الماء المعتصم، وهو مما لا يلتزم به المشهور.
وعليه، فليس المقام من باب طهارة النجس، بل من باب ارتفاع موضوعه؛ إذ المعدوم لا يتعلق به حكم. والباقي إنما هو الماء المطلق المعتصم، فتشمله إطلاقات أدلة طهارة الماء.
نعم، بناءً على ما هو المشهور من اعتبار عدم تغير الماء المعتصم، قد يناقش في بعض الصور، وإن أمكن أن يقال: إن أجزاء الماء المضاف قد استهلكت بحيث لا يرى العرف لها أثراً.
الوجه الثاني: انقلابه إلى ماء مطلق متنجس
وقد يقال: إن الماء المضاف بعد زوال وصف الإضافة يصير ماءً مطلقاً متنجساً، ثم يطهر باتصاله بالماء المعتصم، فيكون سبب الطهارة هو الاتصال بالمعتصم، لا مجرد الاستهلاك.
وعلى هذا المبنى لا تحصل الطهارة إلا بالماء المعتصم.
فلو امتزج الماء المضاف بالماء المطلق حتى زال عنه وصف الإضافة، ولكن بقي شيء من لونه أو ريحه أو طعمه، وقع الكلام في أن هذا التغير هل يوجب نجاسة الماء أم لا؟
وهذا يرجع إلى ما سيأتي من أن التغير الموجب للانفعال، هل هو مطلق التغير، أو خصوص التغير الحاصل بعين النجاسة؟
فعلى الأول يحكم بالنجاسة.
وعلى الثاني لا موجب لها؛ لأن التغير إنما حصل بالمتنجس لا بعين النجس.
والظاهر هو الثاني؛ فإن مجرد تغير اللون أو الريح أو الطعم لا يوجب صدق الإضافة، كما أن ماء النهر إذا تغير بالطين لا يخرج عن كونه ماءً مطلقاً.
وكذلك في المقام، فإن الماء إنما تأثر بأوصاف المتنجس، لا بأوصاف عين النجاسة، فلا تشمله أخبار الانفعال.
والحاصل: أن بقاء النجاسة يدور عرفاً مدار بقاء عنوانها، ذاتاً أو وصفاً، فإذا ارتفع ذلك العنوان عرفاً، ارتفع موضوع النجاسة.
تنبيه: على الوجه الأول لا يعتبر عدم التغير؛ لأن الماء المضاف قد فني عرفاً في المعتصم.
وكذلك على الوجه الثاني، فإن التغير – لو فرض – مستند إلى أوصاف المتنجس، لا إلى عين النجاسة.
وأما على الوجه الثالث الآتي، فعدم التغير شرط أساسي.
الوجه الثالث: الاستدلال بأخبار الكر
وقد يستدل بأخبار الكر الدالة على أن البول إذا وقع في الماء الكر لا ينجسه ما لم يتغير أحد أوصافه.
فمدلولها المطابقي عدم تأثير البول المستهلك في تنجيس الماء، وبالدلالة الالتزامية يستفاد طهارة الماء المضاف المتنجس إذا استهلك فيه بطريق أولى؛ لأن البول أيضاً مائع.
إلا أن هذا الوجه مقيد بعدم التغير، إذ مع تغير اللون أو الطعم أو الريح بعين النجاسة يحكم بالنجاسة، ولا يبقى مجال لهذا الاستدلال.
صور اتصال الماء المضاف المتنجس بالماء المعتصم
وبعد ما تقدم، فالصور المتصورة في المقام هي:
الأولى: أن يستهلك الماء المضاف بالكلية في الماء المعتصم، وهو الفرض الأصلي، وعلى الوجوه المتقدمة تكون النتيجة ارتفاع موضوع النجاسة وبقاء الماء المطلق الطاهر.
الثانية: أن يستهلك وصف الإضافة دون ذات الماء، كما إذا كانت الإضافة ناشئة من امتزاجه بالطين ونحوه، ففي هذه الصورة لا يكفي التصعيد في الطهارة، بل لا بد من الاتصال بالماء المعتصم.
الثالثة: أن يحصل الامتزاج من غير استهلاك أحدهما في الآخر، ويخرج المجموع عن الإطلاق، فإن صار المجموع عرفاً ماءً مضافاً، بقي على نجاسته، ولا سيما إذا غلبت أوصاف المضاف.
الرابعة: أن يستهلك الماء المضاف في الماء المطلق مع بقاء أثر من لونه أو ريحه أو طعمه، فإن بقي عنوان الماء المطلق صادقاً عرفاً، فالظاهر الحكم بالطهارة؛ لأن التغير مستند إلى المتنجس لا إلى عين النجاسة.
وهناك صورة أخرى، وهي أن يمتزجا مع بقاء كل منهما متميزاً عرفاً، بحيث لا يستهلك أحدهما في الآخر، فالظاهر بقاء الماء المضاف على نجاسته، وبقاء الماء المطلق على طهارته.
















ثبت دیدگاه