فقه – مباحث طهارت – جلسه 17
وأما الجواب: فعلى تقدير تسليم الكبرى، نقول إن ما نحن فيه ليس من صغريات هذه القاعدة. فإن الشارع المقدس وإن جعل الحكم بالاجتناب عن النجس في بعض الموارد، واستثنى منه موارد كالاضطرار أو المرض على قول، إلا أن إحراز الموضوع في جميع ذلك لازم؛ إذ لا بد أولاً من ثبوت صدق عنوان «اجتنب عن النجس» حتى يقال بعده: إن هذا الفرد مستثنى منه.
وأما في محل الكلام، فليس الأمر من قبيل ثبوت الموضوع ثم الشك في خروجه عن الحكم، بل الشك في أصل الموضوع نفسه، إذ لا نعلم أنه نجس أو ليس بنجس. فموضوع «النجس» غير محرز من أصله، فلا مجال لتطبيق القاعدة عليه. فالتطبيق صغروياً غير تام، كما أن الكبرى أيضاً محل تأمل.
الوجه الرابع: استصحاب عدم المائية أو عدم الكرّية بنحو العدم الأزلي
وقد يقال: إن عدم الكرّية أو عدم المائية يستصحب بنحو العدم الأزلي.
وتوضيحه: أن هذا المائع حيث لا حالة سابقة له من كونه ماءً مطلقاً ولا مضافاً، بل لم يثبت له شيء من ذلك سابقاً، فيقال: إن عدم الكرّية أو عدم المائية كان ثابتاً في حال عدم وجود هذا الشيء، فيستصحب ذلك العدم.
ومعنى العدم الأزلي: هو العدم الثابت قبل وجود الموضوع، كعدم القرشية للمرأة قبل وجودها، فيقال: إن عدم القرشية كان ثابتاً من الأزل، فيستصحب بعد وجودها.
إلا أن التحقيق: أن استصحاب العدم الأزلي غير جارٍ، وذلك لأن العدم على قسمين:
الأول: العدم بانتفاء الموضوع، وهو العدم الأزلي، حيث لا موضوع أصلاً حتى يثبت له وصف.
الثاني: العدم النعتي، وهو أن يكون الموضوع موجوداً ولكن لا يتصف بذلك الوصف.
وهذان سنخان متغايران، ولا يمكن إثبات أحدهما بالآخر. وفي محل الكلام، لو أريد إثبات عدم المائية أو عدم الكرّية بهذا النحو لإثبات الحكم الفعلي، لكان من الأصل المثبت، وهو غير حجة.
التحقيق الصغروي
ولو غضّ النظر عن الكبرى، فالكلام في انطباق هذا الأصل على المقام.
وقد قيل: إن العدم الأزلي إنما يجري في العوارض الوجودية، لا في العوارض الماهوية. مع أن البحث في المائية وعدم المائية من قبيل العوارض الماهوية لا الوجودية.
كما في مثل قولهم: «ما جعل الله المشمشة مشمشة بل أوجدها»، وكما في بحث زوجية الأربعة، فإن الزوجية من العوارض الماهوية.
إلا أن الميزان في ذلك هو النظر العرفي لا التدقيق العقلي؛ فيلاحظ أن العرف هل يرى هذا الوصف من شؤون الماهية أو من شؤون الوجود.
وخلاصة الكلام: إن الأدلة الأربعة التي استدل بها على نجاسة الماء المردد بين المطلق والمضاف غير تامة.
وعليه، فالمرجع هو عمومات قاعدة الطهارة، فيحكم بطهارة هذا المائع المشكوك بين الإطلاق والإضافة.
تنبيه
ينبغي الالتفات إلى أن باب الطهارة والنجاسة ليس من قبيل الاعتبارات الصرفة كالمِلكية والزوجية، بل هو راجع إلى أمر واقعي وارتكاز عرفي؛ فإن معنى النجاسة هو نوع قذارة في الخارج، ومعنى الطهارة هو نوع نظافة وارتفاع القذارة عرفاً.
وعليه، فالملاك هو كيفية تعامل العرف مع القذارة سعةً وضيقاً. فمثلاً:
إذا وقعت قطرة من الريق في زيت جامد، يقطع العرف بوجوب إزالة موضعها وبقاء الباقي على الطهارة.
وأما إذا وقعت في مائع كالحليب أو الزيت السائل، يرى العرف سراية القذارة إلى الجميع.
وكذلك في الأجسام الكبيرة كالحوض أو البحر، لا يحكم العرف بلزوم الاجتناب عن الجميع.
فالمناط في السراية وعدمها هو سعة انتشار القذارة عرفاً وضيقها.
فتحصّل مما ذکرنا : أن مفهومي الطهارة والنجاسة تابعان للارتكاز العرفي، وقد أمضاه الشارع في الجملة، مع بيان بعض الحدود كالكرّية ونحوها.
وعليه، فالماء الكثير أو الكرّ لا يحكم بنجاسته بمجرد الملاقاة، لعدم ارتكاز السراية فيه عرفاً، بل يرى العرف محدودية أثر القذارة فيه.
ومن هنا يظهر أن في حكم الماء المضاف أيضاً مجالاً للتأمل، كما أُشير إليه سابقاً.
















ثبت دیدگاه