فقه – مباحث طهارت – جلسه 11
إن أبيت ذلك، وقلت: إن القدر المتيقن من الأخبار المشتملة على الأمر بالغسل بالماء إنما هو مورد إصابة البول للبدن، ويحتمل اختصاص الحكم به، كما احتملنا الخصوصية في تطهير البول بالماء القليل حيث اعتُبر فيه الغسل مرّتين، ولم يمكن إلغاء تلك الخصوصية، فلا يمكن أيضاً إلغاؤها في سائر الموارد.
وعليه، فلا وجه لإلغاء خصوصية نجاسة البول وكيفية تطهيره، كما لا سبيل إلى التعدّي عن خصوصية الإناء المتنجس بولوغ الكلب إلى غيره من الموارد.
على أنّه يحتمل في بعض الأخبار التي ورد فيها الأمر بالغسل بالماء أن يكون ذكر الماء من جهة كونه المتعارف والأسهل في مقام التطهير، لا لخصوصية فيه؛ إذ لم يكن ماء الرمان ولا ماء الورد ولا سائر المائعات المضافة متعارفة في مقام الاستعمال، فلو فرض كفاية التطهير بها أيضاً، لم يكن ذكر الماء منافياً لذلك، بل يكون من باب الامتنان وبيان الفرد الغالب.
وفيه: أنّ المتحصّل من مجموع الأخبار الواردة في أبواب الطهارة، مع ضميمة عدم القول بالفصل، عدم الفرق بين الموارد المنصوصة وغيرها، وأنّه لا وجه للتفكيك بينها.
مضافاً إلى أنّ المتبادر من عنوان الغسل في لسان الأخبار هو الغسل بالماء، بل قد فسّره غير واحد من أهل اللغة بذلك، كما في مجمع البحرين. وهذا هو المرتكز عند العرف والمتشرعة، بل لا يبعد دعوى الانصراف إليه بملاحظة القرائن الحالية والمقالية وكثرة الاستعمال.
على أنّ استصحاب النجاسة جارٍ في المقام؛ فإنّ المتنجس إذا شُكّ في طهارته بعد الغسل بغير الماء، استصحبت نجاسته إلى أن يثبت المزيل الشرعي.
ثم إنّ الأخبار الآمرة بغسل البدن والثوب لا يبعد إلغاء الخصوصية منها عرفاً؛ فإنّ البدن مثال لما لا تنفذ فيه النجاسة عرفاً كالحجر والزجاج ونحوهما، والثوب مثال لما تنفذ فيه، فيفهم العرف أنّ المدار على مطلق المتنجس، سواء نفذت فيه النجاسة أم لا، وأنّ تطهير الجميع إنما يكون بالغسل بالماء.
فلا يبقى بعد ذلك مجال لما أفاده المحدث الكاشاني رحمه الله مما تقدّم.
الوجه الثاني
ما استدل به السيد المرتضى رحمه الله من دعوى الإجماع، وقد وافقه عليه الشيخ المفيد، وإن خالفهما سائر الأصحاب.
إلا أنّ الظاهر أنّ مراده من الإجماع تأسيس أصلٍ كليٍّ في الفقه، جرى عليه في غير واحد من المقامات، وهو أنّ كلّ ما لم يقم دليل على حرمته أو نجاسته فهو محكوم بالحلية والطهارة.
وعلى هذا بنى المقام، فقال: لما لم يقم دليل على المنع من تطهير المتنجسات بالماء المضاف، كان مقتضى الأصل جوازه والحكم بطهارة المغسول به.
وفيه: أنّ ما تقدّم في الوجه الأول جارٍ بعينه؛ فإنّ مجموع الأخبار شاهدٌ على اختصاص التطهير بالغسل بالماء، وأنّ المطلقات مقيّدة بالأخبار المصرحة بذلك.
على أنّه لو سلّم هذا الأصل، فإنّ استصحاب النجاسة بعد الغسل بالماء المضاف باقٍ على حاله، فلا يثبت به حصول الطهارة ولا صحة الصلاة في ذلك الشيء.
فافهم.
الوجه الثالث
ما قيل: إنّ المقصود من الغسل في باب المتنجسات إنما هو إزالة النجاسة عن المحل، وهذا الغرض كما يحصل بالماء يحصل بغيره من المائعات.
وفيه: أنّه مصادرةٌ على المطلوب؛ إذ عين المدعى.
ولو كان مراد الشارع مجرد إزالة العين، لكان المناسب التصريح به في الأخبار.
بل لو كان الأمر كذلك، لكان ما ذهب إليه المحدث الكاشاني أولى؛ فإنه اكتفى بزوال العين ولم يوجب الغسل أصلاً، بخلاف السيد المرتضى، فإنه أوجب الغسل، ولم يكتف بمجرد الزوال.
على أنّ الطهارة والنجاسة من الأحكام الشرعية الاعتبارية، وكيفية حصولهما موكولة إلى بيان الشارع، والمستفاد من مجموع الأخبار أنّ المطلوب ليس مجرد إزالة القذارة الخارجية، بل تحصيل الطهارة الشرعية، وقد جعل الشارع سببها الغسل بالماء.
فتأمل.
الوجه الرابع
وقد استدل أيضاً بطائفة من الأخبار زُعم دلالتها على جواز التطهير بالماء المضاف.
منها: مرسلة الشيخ المفيد، حيث أفتى بجواز الغسل بالماء المضاف، ثم أسنده إلى الأئمة عليهم السلام.
ومنها: رواية غياث، عن أبي عبد الله عليه السلام، عن أبيه، عن أمير المؤمنين عليه السلام:
«لا بأس أن يُغسل الدم بالبصاق.»
ومنها: صحيحة الحكم بن حكيم، قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: أبول فلا أجد الماء، فيصيب يدي شيء من البول، فأمسحه بالحائط أو بالتراب، ثم أعرق فتمس يدي وجهي أو جسدي أو ثوبي؟ فقال عليه السلام:
«لا بأس.»
ومنها: المرسلة:
«لا يُغسل بالريق شيء إلا الدم.»
وفي الجميع نظر.
أما مرسلة الشيخ المفيد، فلم يثبت كونها رواية، بل لعلها فتوى استنبطها من مجموع الأدلة، مع أنها مخالفة للمشهور، بل لما ادعي عليه الإجماع.
وأما صحيحة الحكم بن حكيم، فهي أجنبية عن محل الكلام؛ إذ البحث في مطهرية الماء المضاف، لا في مطهرية التراب أو الحائط.
مع أنّ أحداً من أصحابنا لم يفتِ بمضمونها، فلا بد إما من حملها على التقية؛ لموافقتها لبعض العامة، أو حملها على أنّ المتنجس لا ينجّس، كما ربما تشهد له بعض الأخبار، وسيأتي تحقيقه في محله إن شاء الله.
على أنّ إعراض الأصحاب عنها مانعٌ عن الاعتماد عليها.
وأما رواية غياث، فمع ضعفها سنداً، فهي مختصة بغسل الدم بالبصاق، فلا تعم سائر النجاسات.
بل قد روى غياث نفسه :
«إنَّ البصاق لا يُغسل به غير الدم»
فهي أخص من المدعى؛ لأنّ السيد المرتضى يريد إثبات مطهرية مطلق الماء المضاف، لا خصوص الريق.
على أنّه لا يبعد أن يكون مفاد هذه الأخبار راجعاً إلى أنّ الفم، أو الريق، في حكم الكثير، أو أنّ باطن الفم لا يتنجس، بل يطهر بزوال العين، كما سيأتي تحقيقه في محله.
وهو أمر دقيق.
فتدبر جيداً.
فتحصل أنّ شيئاً من هذه الأخبار لا يصلح لإثبات مطهرية الماء المضاف، فلا يثبت بها ما ذهب إليه السيد المرتضى والشيخ المفيد، بل لعل اشتراط الماء المطلق في تطهير المتنجسات مما لا خلاف فيه بين أصحابنا.
ثم يقع الكلام في مسألة أخرى، وهي أنّ الماء المضاف إذا لاقى النجاسة تنجس، وإن كان كثيراً.
و ان لاقی نجسا تنجس و ان کان کثیرا
والبحث في ذلك يقع في مقامين:
الأول: في أصل انفعال الماء المضاف بمجرد ملاقاة النجاسة.
الثاني: في أنّه بعد البناء على انفعاله، هل يفرق بين قليله وكثيره، أم لا؟
















ثبت دیدگاه