فقه – مباحث طهارت – جلسه 92
قد تقدم الكلام في الماء القليل إذا بلغ كرا، وعلم بملاقاته للنجاسة، إلا انه لم يعلم ايهما سبق: الملاقاة او الكرية. وكان البحث في صورة الجهل بتاريخ كل منهما، اعني الكرية والملاقاة.
وقد ذكرنا ان استصحاب عدم الكرية جار في المقام، لان موضوع عموم انفعال الماء بالملاقاة مركب من جزأين: ملاقاة الماء للنجاسة، وهي ثابتة بالوجدان، وعدم الكرية، وهو ثابت بالاصل، فيحكم بانفعال هذا الماء.
ومن جهة اخرى، قيل: ان استصحاب عدم الملاقاة الى زمان الكرية جار، ولكن بعض الاعاظم اقاموا دليلين على عدم جريانه، ثم ذكرنا دليلين آخرين على ذلك ايضا، وقد تقدم الكلام في الدليل الاول.
وقلنا: ان هذا الدليل غير تام، لان ظاهر الروايات، كخبر ابي بصير الوارد في سؤر الكلب، حيث قال:لا تشرب منه الا ان يكون حوضا كبيرا
ان موضوع الانفعال مركب من الملاقاة وعدم الكرية، فلا يتم ما ذكر من هذه الجهة.
واما النكتة الثانية، فهي ان استصحاب عدم الجزء الآخر في زمان وجود الجزء الاول انما يراد به نفي النجاسة، وهي حكم شرعي، ولكن هذا النفي لا يتم الا على القول بالاصل المثبت، فلا يكون معتبرا.
وذلك لان موضوع النجاسة اذا كان هو ملاقاة الماء للنجاسة حال كونه غير كر، فهذا الموضوع قابل للتحقق في كل زمان. فلابد في نفي النجاسة من احراز عدم تحقق هذا الموضوع في جميع الازمنة التي مرت على هذا الماء، مع ان استصحاب عدم الملاقاة في زمان عدم الكرية لا يثبت الا عدم تحقق هذا الموضوع في زمان خاص، وهو زمان القلة، ولا يثبت عدم تحققه في سائر الازمنة، مع ان تحققه في زمان واحد منها كاف في ثبوت النجاسة.
وهذا بخلاف ما اذا كان اصل الملاقاة مشكوكا مع العلم بعدم الكرية، فان استصحاب عدم الملاقاة الى زمان الحال يثبت عدم تحقق موضوع النجاسة رأسا.
فظهر ان الحكم الشرعي اذا كان مترتبا على وجود موضوع صالح للانطباق على ازمنة متعددة، لم يكن نفي فرد واحد منه كافيا في نفي الحكم.
وعليه، فاستصحاب عدم الملاقاة في زمان عدم الكرية لا يصلح لنفي النجاسة، لانه لا ينفي الا فردا خاصا من افراد الموضوع، لا اصل تحققه.
اقول: ولكن جميع ما ذكر انما يتم لو لم نقل بالقاعدة التي تقدم الاستناد اليها.
وحاصلها: انه يستفاد من الحديث النبوي:خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شيء
بضميمة غيره من الاخبار المؤيدة له، ان الماء مقتض للاعتصام والطهارة بنفسه وبذاته، وان الانفعال والنجاسة يتوقفان على امر وجودي، كالتغير او القلة، فلا يحكم بالانفعال الا بعد احراز ذلك الامر الوجودي.
وعليه، فالذي خرج عن هذه القاعدة انما هو الماء القليل الراكد.
فهذا الماء الذي هو الآن كر، وكان قبل ذلك قليلا، مع الجهل بتاريخ الكرية والملاقاة، محكوم بالطهارة بمقتضى هذه القاعدة، لعدم احراز ذلك الامر الوجودي، اعني القلة او التغير، حين الملاقاة.
ولعل هذا هو الوجه في احتياط السيد رحمه الله، حيث قيل: ان استصحاب القلة وعدم الكرية الى زمان الملاقاة يعارضه استصحاب عدم الملاقاة الى زمان الكرية، وبعد تساقطهما تصل النوبة الى قاعدة الطهارة او استصحابها.
او يكون وجه الحكم بالطهارة هو القاعدة المستفادة من الحديث النبوي.
واما اذا منعنا من تعارض هذين الاستصحابين، او قدمنا قاعدة المقتضي والمانع، الدالة على توقف الاعتصام على امر وجودي، على الحديث النبوي وما يستفاد منه، تعين الحكم بالنجاسة.
فلوجود هذين الاحتمالين، لعل السيد رحمه الله احتاط بالاجتناب، الا انه لما لم يثبت تمامية هذين الوجهين، حكم اولا بالطهارة تقوية لما ذكرناه، ثم احتاط بالترك، نظرا الى ما ذكر من الوجهين، مع عدم احراز تماميتهما.
















ثبت دیدگاه