فقه – مباحث طهارت – جلسه 86
وقدتقدم الكلام في أن بعض الأعلام ذهب إلى أنه في الماء المشكوك الكرية الذي لا تعلم حالته السابقة، إذا لاقى النجاسة، أمكن إجراء استصحاب العدم الأزلي فيه.
وقد ذکرنا عن المحقق الحائری أنه ذهب إلى جريان استصحاب العدم الأزلي في بعض الفروض، وإن كان كثير من الأعلام قد أقاموا وجوها ـ وقد تعرضنا لبعضها فيما سبق ـ لعدم جريان هذا الاستصحاب من أصله.
وتوضيح ذلك: أن هذا الاستصحاب إنما يجري في عوارض الوجود، دون عوارض الماهية، والكرية وعدمها من عوارض الماهية.
وبيانه: أن عرض الماهية هو ما كان معروضه نفس الماهية، كزوجية الأربعة، فإن عروض الزوجية على الأربعة لا يتوقف على وجودها في الخارج أو الذهن، بل هي من لوازم نفس الماهية.
وأما عرض الوجود فهو ما كان عروضه متوقفا على تحقق المعروض في الخارج، كالسواد والبياض بالنسبة إلى الجسم.
ومن هنا أفاد المحقق الحائري رحمه الله أن المستصحب إذا كان من عوارض الماهية، لم يجر فيه استصحاب العدم الأزلي، فلا يقال: إن ماهية الأربعة لم تكن متصفة بالزوجية ثم شك في عروضها عليها، فيستصحب عدمها؛ لأن الزوجية من لوازم ذات ماهية الأربعة، فهي معها في كل مرتبة تفرض فيها، ولا يعقل انفكاك اللازم عن ملزومه، كرطوبة الماء وحرارة النار.
وأما إذا كان المستصحب من عوارض الوجود، جرى فيه استصحاب العدم الأزلي، كالقريشية بالنسبة إلى المرأة، فإنها ليست من لوازم ماهية المرأة، وإنما تعرض لها بعد تحققها في الخارج، فإن كانت من قريش اتصفت بها، وإلا فلا.
فإذا شك في قريشيتها، قيل: إنها قبل وجودها لم تكن متصفة بالقريشية، والآن يشك في ثبوتها، فيستصحب عدمها.
إلا أنه قد أجيب بأن استصحاب العدم الأزلي إنما يجري إذا لم يكن الوصف من اللوازم الذاتية للشيء في لوح الواقع، سواء كان في مرتبة الماهية أو الوجود، لا خصوص الوجود الخارجي، كالإمكان بالنسبة إلى الإنسان، فإنه من لوازم الماهية، فيثبت لها حتى قبل وجودها الخارجي، فلا حالة سابقة لعدمه.
وفي المقام يقال: إن الكرية ليست من الأمور الماهوية أصلا، وإنما هي أمر خارجي عارض، فإن قولنا: هذا الماء كر، إنما يراد به مجموع أجزاء الماء المتصلة إذا بلغت حدا مخصوصا، وهذه الأجزاء إذا اجتمعت رآها العرف شيئا واحدا، ومن هذه الوحدة العرفية ينتزع عنوان الكرية.
فالكرية ليست سعة ذاتية للماء، وإنما هي وصف عارض لمجموع خاص من الماء.
وعليه، فحيث إن الكرية متقومة بوجود تلك الأجزاء، ولم يكن قبل تحقق الماء مجموع متصل، فلا ماء، ولا اتصال، ولا كرية، فيكون عدم الكرية سابقا أزلا، فيمكن استصحابه.
بل يمكن أن يقال: وإن أغضينا النظر عن استصحاب العدم الأزلي، جرى استصحاب عدم الكرية أيضا، فإن هذا الحوض كان خاليا في السابق، والآن يشك في بلوغه حد الكر، فيستصحب عدم الكرية.
وعلى هذا، يكون هذا الاستصحاب حاكما على استصحاب الاعتصام، لأن الأول أصل سببي، والثاني أصل مسببي.
وقد أفاد المحقق النائيني أن استصحاب العدم الأزلي إنما يجري إذا كان العدم حالة سابقة حقيقية قابلة للإسناد إلى الموضوع، ولا يكفي مجرد عدم الشيء قبل وجوده، بل لا بد من إمكان نسبة العدم إلى موضوع معين.
وبعبارة أخرى: فرق بين العدم النعتي والعدم المحمولي.
فالعدم النعتي هو أن يقال: هذا الشيء ليس متصفا بهذا الوصف.
وأما العدم المحمولي، فهو أن لا يكون هناك موضوع أصلا حتى يوصف بعدم أو وجود.
وقد ذهب إلى جريان الاستصحاب في الأول دون الثاني.
فإذا لم يكن زيد موجودا، لم يصح أن يقال: إن زيدا لم يكن عالما، وأما إذا وجد وشك في عروض العلم له، استصحب عدم العلم.
وعلى هذا المبنى يورد الإشكال في الماء المشكوك الكرية، بأنه قبل وجود هذا الماء الخاص لم يكن هناك موضوع حتى يقال: إنه لم يكن كرا.
إلا أن يقال: إن العدم النعتي يلحظ بالإضافة إلى موضوع قابل للفرض، فيقال: إن هذا المجموع من الماء لم يكن في أول أمره مجتمعا ومتصل الأجزاء، فلم يكن كرا، والآن يشك في تحقق الكرية، فيستصحب عدمها.
بل حتى على مبنى المحقق النائيني يمكن الالتزام بذلك، لأن هذا العدم قابل للإسناد إلى الموضوع، فإن هذا الماء قد اجتمع تدريجا، وفي مرحلة من وجوده لم يبلغ حد الكر، فتلك حالة سابقة حقيقية.
ففرق بين أن يقال: هذا الماء قبل وجوده لم يكن كرا، وهو غير كاف على مبناه، وبين أن يقال: هذا الماء في أول مراحل وجوده لم يكن كرا، ثم شك في بلوغه حد الكر، فيستصحب عدمها.
فتحصل من جميع ما ذكر أن استصحاب عدم الكرية جار، وهو مقدم على استصحاب الاعتصام، بل وعلى أصالة الطهارة، لأنه أصل سببي، فلا تصل النوبة إلى غيره.
وعليه، فلا يبعد الالتزام بانفعال الماء المشكوك الكرية إذا لاقى النجاسة.
















ثبت دیدگاه