فقه – مباحث طهارت – جلسه 7
ثم إنه يتفرع على ما تقدم فرع آخر، وهو أنه بعد الفراغ عن أن الماء ينجس إذا تغير أحد أوصافه الثلاثة بعين النجاسة، يقع الكلام في أنه هل ينجس أيضا إذا كان التغير بالمتنجس، كما إذا تغير لونه أو طعمه بشيرة العنب المتنجسة، أو تغير ريحه بدهن متنجس أو بماء ورد متنجس، أو لا؟
يمكن أن يقال: إن المستفاد من الأخبار المتقدمة اختصاص الحكم بما إذا كان التغير مستندا إلى عين النجاسة، فإن المتبادر منها ذلك، ولا أقل من انصرافها إليه، فلا تشمل صورة استناد التغير إلى المتنجس.
نعم، قد يستدل بخبر ابن بزيع المشتمل على قوله عليه السلام: «ماء البئر واسع لا يفسده شيء إلا أن يتغير»، بدعوى أن لفظ «شيء» يعم النجس والمتنجس معا.
وفيه: أن هذا الظهور بدوي، إذ قد اشتمل ذيل الرواية على الأمر بنزح الماء حتى يذهب الريح ويطيب الطعم، وهو ظاهر في كون التغير ناشئا من عين النجاسة، إذ الريح الخبيثة والطعم المستقذر إنما ينسبان غالبا إلى الأعيان النجسة، لا إلى مجرد المتنجسات.
فتأمل جيدا.
ثم إن صاحب العروة قال: «الماء المضاف مع عدم ملاقاة النجاسة طاهر، لكنه غير مطهر لا من الحدث ولا من الخبث، ولو في حال الاضطرار».
أما طهارة الماء المضاف في نفسه فلا ينبغي الإشكال فيها، إذا كان المضاف إليه طاهرا، وإنما الكلام فيما إذا كان المضاف إليه نجسا أو متنجسا، كما لو عصر لحم كلب، أو استخرج ماء فاكهة متنجسة، فإن الحاصل حينئذ نجس بلا إشكال.
وأما عدم مطهريته من الحدث، فهو المعروف بين الأصحاب، بل ادعي عليه الإجماع، وأن الوضوء والغسل لا يجزئان بالماء المضاف، ولو في حال الاضطرار، خلافا لما نسب إلى الصدوق من تجويز الوضوء والغسل بماء الورد، وسيأتي الكلام فيه.
واستدل للمشهور بوجوه:
أحدها: الإجماع، إلا أنه مدركي، وقد وقع الكلام في حجية مثله، وأنه هل يكون كاشفا عن رأي المعصوم عليه السلام أو لا.
وثانيها: ما نسب إلى فقه الرضا من المنع عن رفع الحدث بالماء المضاف.
وفيه: أن أصل ثبوت الكتاب، فضلا عن ثبوت كونه رواية، غير معلوم، بل الظاهر أنه أشبه بالفتوى منه بالرواية، فلا يصلح للاستدلال.
وثالثها: أنه لو كان الماء المضاف من أفراد الطهور، لكان المناسب ذكره في قوله تعالى: ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورا﴾، لكون الآية في مقام الامتنان، فاختصاص الامتنان بالماء المطلق يكشف عن اختصاص الطهورية به.
وفيه أولا: ما تقدم من احتمال كون المراد بالطهور في الآية المعنى التكويني، أعني ما يكون صالحا لإزالة الأقذار والقذارات بحسب طبعه، ومن المعلوم أن الماء المضاف ليس كذلك، بل ربما كان بنفسه مما يحتاج إلى الإزالة.
وثانيا: أنه لو سلم إرادة المعنى الشرعي، فعدم ذكر الماء المضاف لا يدل على نفي طهوريته، لجواز الاكتفاء بذكر الفرد الغالب، ولا سيما مع قلة وجود أفراد الماء المضاف.
فالإنصاف أن العمدة في المقام آية الوضوء، وهي قوله تعالى: ﴿وإن كنتم جنبا فاطهروا… فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا﴾، فإنها ظاهرة في انحصار الطهور بالماء والصعيد، وأن المكلف يدور أمره بينهما، فمع وجدان الماء يتعين استعماله، ومع فقده ينتقل إلى التيمم، ولا ثالث.
ويؤيده ما ورد في الأخبار المستفيضة من حصر الطهور فيهما.
منها: رواية أبي بصير، قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: الرجل يكون معه اللبن، أيتوضأ به؟ فقال: «لا، إنما هو الماء والصعيد».
ومنها: رواية عبد الله بن المغيرة، قال: قلت له: الرجل لا يجد الماء، أيتوضأ باللبن؟ قال: «لا يتوضأ باللبن، إنما هو الماء أو التيمم».
ولا يقدح اختصاص موردهما باللبن، مع أنه ليس من أفراد الماء المضاف، فإن التعليل الوارد فيهما ظاهر في الحصر، وأن الطهور منحصر في الماء أو الصعيد، فيلحق به سائر المائعات، ومنها الماء المضاف.
ثم إنه ينبغي التعرض لما نسب إلى الصدوق من القول بجواز الوضوء والغسل بماء الورد.
فنقول: إن ماء الورد على أقسام:
الأول: ما يستخرج بعصر الورد نفسه، كما يعصر الرمان والبرتقال ونحوهما، وهذا لا إشكال في كونه ماء مضافا حقيقة.
والثاني: ما يوضع فيه الورد أو يجاوره حتى يكتسب رائحته، من دون أن يخرج بذلك عن صدق اسم الماء.
وهذا القسم لا إشكال في بقائه على الإطلاق، كما أن القسم الأول لا إشكال في خروجه عنه، إذ مجرد اكتساب الرائحة لا يوجب صيرورة الماء مضافا، كما لو تغيرت رائحته بمجاورة السمك أو غيره، فإنه يبقى ماء مطلقا، غاية الأمر أنه ماء متغير، وهو غير الماء المضاف.
وضابط الماء المضاف أن لا يصدق عليه اسم الماء حقيقة بلا قيد.
وأما إذا صدق عليه اسم الماء حقيقة، وإن أضيف إليه شيء بعناية، فهو من أفراد الماء المطلق، كما في كثير من مياه البحار والآبار.
والثالث: ماء الورد المتعارف في الأعصار المتأخرة، وهو ما يجعل الورد في الماء، ثم يغلى ويقطر، فيحصل منه ماء يعرف بماء الورد.
ولا يبعد دعوى بقائه على الإطلاق أيضا، لأن الخارج من الإطلاق إنما هو ما استهلك فيه الماء بالمضاف، بحيث لا يبقى صدق اسم الماء عليه، كما في ماء الرمان ونحوه، وأما مع غلبة الماء، وقلة أجزاء الورد، فلا موجب للخروج عن الإطلاق، كما لو ألقيت قطرات من الطيب في الماء، فإنه لا يخرجه عن كونه ماء.
فإن قيل: لو شك في أن المراد من ماء الورد في الروايات أهو القسم الثاني والثالث، أو يعم الأول أيضا؟
قلنا: مقتضى إطلاق الرواية شموله للجميع، إلا أن إطلاق آية الوضوء، وما دل على انحصار الطهور في الماء والصعيد، يقتضي اختصاص الوضوء والغسل بالماء المطلق، وأن فرض فقده يوجب الانتقال إلى التيمم، سواء وجد الماء المضاف أم لا.
فبين الدليلين عموم من وجه، ومورد الاجتماع ما إذا فقد الماء المطلق ووجد الماء المضاف، فإن الرواية تقتضي جواز الوضوء به، والآية تقتضي وجوب التيمم.
وحيث إن الرواية على هذا التقدير مخالفة لظاهر الكتاب، سقطت عن الحجية في مورد المعارضة، وبقي مقتضى الآية سالما، فيتعين الحكم بوجوب التيمم عند انحصار الموجود بالماء المضاف.
ولعل هذا هو الوجه في حمل كلام الصدوق على إرادة القسم الثاني أو الثالث من ماء الورد، دون القسم الأول الذي لا إشكال في كونه ماء مضافا حقيقة.
والله العالم.
















ثبت دیدگاه