فقه – مباحث طهارت – جلسه 66
واما الروايات الخاصة التي استدل بها على انفعال الماء القليل بملاقاة المتنجس:
فمنها صحيحة سماعة عن ابي عبد الله عليه السلام:
قال: سألته عن رجل اصابته جنابة فادخل يده في الاناء، فقال: لا بأس اذا لم يكن اصاب يده شيء من المني.
ومنها رواية شهاب عن ابي عبد الله عليه السلام:
في الرجل الجنب يهوى فيغمس يده في الاناء قبل ان يغسلها، قال عليه السلام: انه لا بأس اذا لم يكن اصاب يده شيء.
ونظائرهما.
فان مفهوم هذه الروايات يدل على ان الماء القليل ينفعل بملاقاة اليد التي اصابها المني، وهذا المفهوم مطلق، فيشمل ما اذا بقيت عين المني حال الملاقاة وما اذا زالت وبقيت اليد متنجسة، فيثبت بذلك انفعال الماء القليل بملاقاة المتنجس ايضا.
ومن ناحية اخرى، توجد روايات قد يدعى اطلاقها لعدم انفعال الماء القليل بالمتنجس، كصحيحة زرارة:
قال: سألته عن الحبل يكون من شعر الخنزير يستقى به الماء من البئر، هل يتوضأ من ذلك الماء؟ قال عليه السلام: لا بأس.
وقد تقدم البحث عنها مفصلا، وذكرنا في تشخيص حيثية السؤال احتمالات، وكان اقواها احتمالان:
الاول: ان يكون السؤال عن نجاسة ماء الدلو بسبب ملاقاة الحبل المصنوع من شعر الخنزير له.
والثاني: ان يكون السؤال عن نجاسة ماء الدلو بسبب القطرات المتساقطة من الحبل الى الدلو.
فالاول راجع الى ملاقاة العين النجسة، والثاني الى ملاقاة الماء القليل للمتنجس المائع.
وقد قرب الاستدلال بالرواية على عدم انفعال الماء القليل بملاقاة المتنجس بوجوه:
التقريب الاول:
ان يستظهر ان السؤال ناظر الى حيثية القطرات المتساقطة دون وقوع الحبل في الدلو.
بدعوى ان سقوط القطرات في ماء الدلو اغلب خارجا من ملاقاة نفس الحبل له، فينصرف السؤال اليها.
فتكون الرواية بنفسها دليلا على عدم انفعال الماء القليل بملاقاة المتنجس بعد الفراغ عن نجاسة شعر الخنزير.
وفيه: ان مجرد غلبة الوجود الخارجي لا توجب الانصراف، وانما الموجب له كثرة الاستعمال.
مضافا الى وجود احتمالات اخرى معتد بها في الرواية، كاحتمال كون السؤال ناظرا الى الحكم الظاهري عند الشك.
فمع هذه الاحتمالات لا يتم الاستدلال بالرواية على المدعى.
التقريب الثاني:
ان السائل لم يعين في سؤاله جهة خاصة، فلم يبين هل نظره الى الماء المتقاطر والمتساقط في الدلو، ام الى نفس الحبل الواقع فيه، وانما سأل عن ماء الدلو وجواز الوضوء به.
فيتمسك باطلاق جواب الامام عليه السلام، فيثبت جواز الوضوء بماء الدلو سواء وقعت فيه القطرات ام لا، وسواء لاقاه الحبل ام لم يلاقه.
فيكون مفاد الرواية عدم انفعال الماء القليل مطلقا.
وحينئذ تعارضها رواية سماعة، لان اطلاقها يدل على انفعال الماء القليل بملاقاة اليد المصابة بالمني، سواء بقيت العين ام زالت، فهي ايضا تدل باطلاقها على الانفعال في ملاقاة النجس والمتنجس معا.
فيقع التعارض بينهما بالتباين.
ثم تلاحظ الروايات الدالة على انفعال الماء القليل بملاقاة العين النجسة، فان نسبتها الى رواية زرارة عموم وخصوص مطلق، فتقيدها بالنسبة الى فرض ملاقاة الحبل لماء الدلو.
فتختص رواية زرارة بعد ذلك بصورة ملاقاة المتنجس، ويكون مفادها عدم انفعال الماء القليل به.
كما ان رواية سماعة، لما كانت اعم من ملاقاة العين والمتنجس، تقيد بصورة بقاء عين النجاسة.
فينتج ان الماء القليل لا ينفعل بملاقاة المتنجس.
التقريب الثالث:
ان يفرض اجمال رواية زرارة، فلا ظهور لها في القطرات المتساقطة، ولا اطلاق في جواب الامام عليه السلام.
فعندئذ يتردد مفادها بين امرين:
احدهما: الحكم بعدم انفعال ماء الدلو بملاقاة العين النجسة.
وثانيهما: الحكم بعدم انفعاله بملاقاة المتنجس.
فعلى الاول تثبت الرواية بالدلالة الالتزامية عدم انفعال الماء القليل بالمتنجس.
وعلى الثاني تثبته بالدلالة المطابقية.
فالرواية على كل تقدير تدل على عدم انفعال الماء القليل بملاقاة المتنجس، وان كنا لا نعلم حالها بالنسبة الى ملاقاة العين النجسة.
فيؤخذ بالقدر المتيقن منها، وهو عدم الانفعال بملاقاة المتنجس.
وهو المطلوب.
ولكن هذا التقريب يرجع في الحقيقة الى علم اجمالي بثبوت عدم انفعال الماء القليل بالمتنجس، مردد بين الدلالة المطابقية والدلالة الالتزامية.
وهذا العلم الاجمالي لا اثر له، لان الدلالة الالتزامية في المقام ليست بحجة.
وذلك لانها اما غير ثابتة من اصلها، او ساقطة بسقوط الدلالة المطابقية على مبنى المشهور.
فانه اذا ترك العمل بالدلالة المطابقية، سقطت الدلالة الالتزامية تبعا لها.
وان اخذ بالدلالة المطابقية وقبل انفعال الماء القليل بملاقاة العين النجسة، علم بانتفاء عدم الانفعال في ملاقاة المتنجس.
فيكون العلم الاجمالي مرددا بين ما هو غير حجة قطعا، وبين ما هو صالح للحجية.
واما ما ذكر من ان عدم العلم بالمعارض يكفي في باب الحجية، ففيه: ان ذلك انما يتم فيما اذا لم يكن اصل الدليل مرددا بين دلالتين، تكون احداهما معارضة والاخرى غير معارضة.
فلا يتم هذا التقريب ايضا.فتحصل ان اقوى ما يمكن ان يستدل به في صحيحة زرارة هو التقريب الثاني، واما الاول والثالث ففيهما ما عرفت من المناقشة، والثاني ايضا مبني على القول بانقلاب النسبة، وهو غير خال عن الاشكال.
















ثبت دیدگاه