فقه – مباحث طهارت – جلسه 65
المسألة الثانية: هي اثبات ان الماء القليل ينفعل مطلقا على نحو القضية الكلية بملاقاة النجاسة، سواء كانت عينا نجسة ام متنجسا.
فقد تقدم في البحث الاول ثبوت انفعال الماء القليل في الجملة وعلى نحو القضية المهملة، والكلام هنا في رد التفصيلات التي التزم بها من انكر الموجبة الكلية.
التفصيل الاول: التفريق بين العين النجسة والمتنجس.
فقد ذهب بعض المتأخرين الى ان مدرك انفعال الماء القليل اما الاجماع، والاجماع لم يثبت في ملاقاة المتنجسات بنحو يفيد القطع، كما هو المعتبر في الادلة اللبية، والقدر المتيقن منه ملاقاة الاعيان النجسة خاصة.
واما الروايات الخاصة فهي ايضا واردة في الكلب والدم والبول ونحوها من الاعيان النجسة.
وهذا التفصيل اما ان يكون من جهة فقدان المقتضي الاثباتي، بمعنى عدم وجود دليل يثبت الاطلاق حتى بالنسبة الى المتنجس، واما من جهة وجود المانع الاثباتي، بان يكون الاطلاق ثابتا لكنه مقيد او معارض.
وتقريبه: ان دليل الانفعال اما مفهوم اخبار الكر، واما الروايات الخاصة.
اما مفهوم اخبار الكر فلا اطلاق له، لان نقيض السالبة الكلية هو الموجبة الجزئية، والقدر المتيقن منها ملاقاة العين النجسة.
واما الروايات الخاصة فجميعها واردة في ملاقاة الاعيان النجسة.
ثم انه ينبغي التنبيه على نكتة مهمة، وهي ان المفهوم انما يثبت نقيض ما علق على الشرط في المنطوق.
فلا بد قبل الاستدلال بالمفهوم من معرفة ما هو المعلق في القضية الشرطية، وهل هو الحكم المطلق، او ذات الحكم ثم عرض عليه الاطلاق بعد ذلك.
وهنا صورتان:
الاولى: ان يكون التعليق واردا على الحكم المطلق.
اي يكون الحكم مع جميع اطلاقاته هو المعلق على الشرط.
وعليه يكون المفهوم نافيا للمطلق، ونفي المطلق لا ينافي ثبوت الحكم مقيدا.
فلا يدل المفهوم حينئذ الا على القضية الجزئية.
الثانية: ان يكون الاطلاق متأخرا عن التعليق.
بان يكون المعلق اولا ذات الحكم المهملة، ثم تستفاد اطلاقاته بعد ذلك بمقدمات الحكمة.
وعليه يكون المفهوم نافيا لذات الحكم، وهو مساوق للقضية الكلية.
ويتضح ذلك بالمثال.
ففي قوله عليه السلام:
“اذا بلغ الماء قدر كر لم ينجسه شيء.”
فقوله: “لا ينجسه شيء” هو جزاء الشرط.
فتارة يفرض ان اطلاقه قد تم قبل التعليق، فيكون التعليق واردا على نفي التنجيس مطلقا، فيكون المفهوم نافيا لهذا النفي المطلق، وهو لا ينافي ثبوت التنجيس في بعض الموارد، فلا يثبت الا القضية الجزئية.
واخرى يفرض ان التعليق تعلق بذات الحكم، ثم استفيد الاطلاق بعده، فيكون المفهوم نافيا لاصل الحكم بجميع اقسامه، فيثبت القضية الكلية.
ومثاله ما لو قال المولى:
اذا جاء زيد فاستمع الى كلامه.
فوجوب الاستماع قد يكون مطلقا يشمل جميع كلامه، وقد يكون مقيدا.
فان كان الاطلاق سابقا على التعليق، كان المفهوم نافيا للوجوب المطلق فقط، ويبقى الوجوب المقيد على حاله.
واما اذا كان التعليق سابقا على الاطلاق، كان المفهوم نافيا لاصل وجوب الاستماع مطلقا ومقيدا.
والقاعدة الكلية في المفاهيم الشرطية ان التعليق يكون في رتبة سابقة على الاطلاق، لان موضوع التعليق هو ذات الحكم لا الحكم المقيد بالاطلاق.
وذلك لان العرف اذا امكنه تعليق الحكم من دون مؤونة الاطلاق والتقييد، اقتصر على ذلك، ولا يحمل الكلام على ازيد منه.
نعم، لو كان في الدليل اداة عموم لفظية، ثبت العموم قبل التعليق، وكان التعليق واردا على الحكم العام، فيكون المفهوم نافيا لذلك العموم خاصة، لا لاصل الحكم.
وفي المقام، اعني قوله عليه السلام:
“اذا بلغ الماء قدر كر لم ينجسه شيء.”
قد اشتمل الجزاء على لفظ “شيء”، وهو مما يصلح للعموم.
وحينئذ يحتمل فيه امور:
الاول: ان يراد به العين النجسة.
الثاني: ان يراد به المتنجس.
الثالث: ان يراد به الاعم منهما.
واما الثاني فبعيد جدا، لان اكثر الروايات واردة في الاعيان النجسة، وهي المنسبق الى الذهن عرفا.
فالكلام في الثالث.
وهل شمول لفظ “شيء” للنجس والمتنجس مستفاد من مقدمات الحكمة، فيكون الاطلاق متأخرا عن التعليق، او انه مستفاد من ظهور اللفظ نفسه، فيكون العموم سابقا على التعليق؟
الظاهر هو الثاني، وتؤيده بعض القرائن الخاصة، ولا سيما موارد السؤال في بعض الروايات، حيث يظهر منها ان النظر ابتداء الى العين النجسة.
فعلى هذا يكون التعليق واردا على الحكم المطلق، ويكون المفهوم نافيا للنفي المطلق، وهو لا يثبت الا القضية الجزئية، والقدر المتيقن منها ملاقاة العين النجسة.
فتكون النتيجة انه لا يمكن التمسك بمفهوم قوله عليه السلام:
“اذا بلغ الماء قدر كر لا ينجسه شيء”
لاثبات انفعال الماء القليل مطلقا، اعم من ملاقاة العين النجسة والمتنجس، بل غاية ما يدل عليه ثبوت الانفعال في الجملة، وهو القدر المتيقن من ملاقاة العين النجسة.
اللهم الا ان يقال: ان بعض روايات الكر لم يقع فيها سؤال من السائل، بل ابتدأ الامام عليه السلام بقوله:
“سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول: اذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شيء.”
وفي مثل ذلك يكون ظهور لفظ “شيء” عرفا شاملا للنجس والمتنجس معا، ولا سيما مع ارتكاز المتشرعة على الحاق المتنجس بالنجس.
وعليه يكون المفهوم دالا على القضية الكلية الشاملة لهما جميعا.
اقول: ولعل الانصاف ان يقال: ان جملة “لا ينجسه شيء” لا ظهور لها ابتداء في اختصاصها بالعين النجسة ولا في شمولها للمتنجس ايضا، بنحو يعتمد عليه عرفا.
وانما يفهم شمولها بعد تعليق الحكم على الشرط.
وعليه يكون الاطلاق متأخرا عن التعليق، فيجري فيه ما هو مقتضى القاعدة، من دلالة المفهوم على القضية الكلية، الشاملة للعين النجسة والمتنجس جميعا.
















ثبت دیدگاه