فقه – مباحث طهارت – جلسه 56
مسالة: قال فی العروه انه لما کان عدم انفعال الماء الجاري بالملاقاة متوقفا علی اتصاله بالمادة، فلو کانت المادة من الاعلی علی نحو التقطیر، تنجس الماء الاسفل اذا کان اقل من الکر.
ووجه کلامه ان الماء الاسفل لما لم یکن متصلا بالمادة، حکم بنجاسته، بمعنی ان المادة اذا کانت تنزل قطرة بعد قطرة فی الماء القلیل، لم یصدق الاتصال بالمادة.
ولکن التحقیق ان عدم الاتصال انما نشأ من کون موضع المادة منفصلا طبعا عن موضع اجتماع الماء، کما هو مفروض المسالة.
وحینئذ قد یقال: ان هذا الانفصال لا یضر بصدق عنوان کون الماء ذا مادة، فان المراد من المادة ان یکون للماء مخزن یمده ویغذیه علی نحو الاستمرار، ویصدق ذلک بمجرد کون الماء ینزل من الاعلی شیئا فشیئا علی نحو دائم، فاذا فرض صدق عنوان المادة مع عدم الاتصال، کان اعتبار الاتصال محتاجا الی دلیل.
ولعل الوجه فی اعتباره ان تقویة الماء بمادة منفصلة عنه تتقاطر علیه لا یراها العرف امرا معقولا، فلا یرتکز عندهم ان جسما منفصلا یوجب عصمة جسم آخر وحفظه عن الانفعال، وهذا الارتکاز بنفسه قرینة لبیة مانعة عن انعقاد اطلاق دلیل الاعتصام لمثل هذه الصورة.
اقول: ان الماء الجاري انما کان معتصما من جهة ما یفیده الاتصال بالمادة من القوة والقاهریة، فاذا کانت المادة بنحو لا توجب هذه القوة والقاهریة، لم توجب الاعتصام بطبیعة الحال.
و بعباره اخری: لیس المدار علی مجرد الاتصال، فقد یتحقق الاتصال ولا یصدق عرفا الاستمداد الفعلی ولا وحدة الامداد والقاهریة، وقد لا یتحقق الاتصال الفعلی، ومع ذلک یصدق عرفا الاستمداد والقاهریة، کما فی بعض موارد الانفصال الطبیعی بین المادة والماء. فالمناط ان یصدق عرفا استمرار الامداد والقاهریة، فان صدق ثبت الاعتصام، والا فلا. والله العالم.
مسالة: ذکر المحقق الیزدی فی العروة انه یعتبر فی المادة الدوام.
وعلیه، فلو اجتمع ماء المطر او غیره تحت الارض، ثم جری بالحفر الیسیر، لم یلحق بالماء الجاري.
والظاهر ان مراده التفصیل بین المادة الطبیعیة والمادة الجعلیة، فان المادة الجعلیة لا توجب الاعتصام، لان ظاهر التعلیل بقوله علیه السلام: لان له مادة، ان یکون للماء مادة طبیعیة ینبع منها، ولا یصدق عنوان المادة علی ما جعل جعلا.
فلو جمع الماء فی حفیرة محصورة، او اجتمع فیها ماء المطر، ثم رشح منها الماء او سال، لم یکن معتصما، لان مادته جعلیة.
وهذا الکلام حسن، الا انه لا بد من ضابطة دقیقة للفرق بین المادة الطبیعیة والمادة الجعلیة.
فقد یقال: ان المادة الطبیعیة ما کانت من دون صنع الانسان، والجعلیة ما کانت بصنعه.
وفیه ان ماء المطر المجتمع فی حفیرة من غیر تدخل الانسان یلزم ان یکون مادة طبیعیة، مع انهم لا یلتزمون بذلک.
وقد یقال: ان المادة الطبیعیة هی الرطوبات المنتشرة فی اعماق الارض التی تتحول بالنبع الی ماء، واما الماء المخزون فی الارض فهو مادة جعلیة، سواء کان ادخاله بفعل الانسان او بطبعه.
وفیه ان کثیرا من العیون الطبیعیة یکون فی عروقها ماء بالفعل، ووجود الماء بالفعل فی المادة لا ینافی صدق المادة، بل هو اوکد فیه، فکیف یجعل مانعا عن صدق العنوان الذی جعل مناطا للاعتصام.
وقد یقال: ان العیون الطبیعیة هی التی تمتاز بدوام مادتها، لا بمعنی جریانها فی جمیع الفصول، بل بمعنی ثباتها واستمرارها فی المقدار المناسب لها، سواء کانت موسمیة ام دائمیة.
فالمراد بالدوام لیس الدوام المطلق، بل الاستمرار المعتد به عرفا، فی مقابل المواد الجعلیة التی لا تدوم غالبا، بل تنفد فی ایام او اسابیع.
ولعل هذا هو الوجه فی التعبیر بالطبیعیة فی قبال الجعلیة، وهو الذی یوضح مرادهم من دوام المادة.
فالمناط هو صدق عنوان المادة عرفا، وبه یتضح الفرق بین المادة الطبیعیة والجعلیة، وقد ذکروا فی المقام وجوها اخر تحتاج الی النظر.
وعلی هذا، فاذا ثبت صدق عنوان المادة عرفا، شملته ادلة الاعتصام، ومنها صحیحة ابن بزیع، وحکم بعدم انفعاله بملاقاة النجاسة.
















ثبت دیدگاه