فقه – مباحث طهارت – جلسه 49
ولكن قد يناقش في هذه الملازمة العرفية الاولى، فانه وان كانت رافعية المادة بالنسبة الى النجاسة الشديدة تقتضي عرفا رافعيتها بالنسبة الى النجاسة الاخف، الا ان ذلك انما يتم مع حفظ وحدة الشرائط في الطرفين.
واما في رفع النجاسة الحاصلة بالتغير، فان المادة لا ترفعها الا بعد زوال التغير، فهي انما تكون رافعة لها بعد ارتفاع هذا القيد. فاذا اريد حفظ الشرائط عند التعدي الى النجاسة الاخف، اعني النجاسة الملاقاتية، كان مقتضى الاولوية ان تكون المادة رافعة لها ايضا بعد زوال الملاقاة، كما ان زوال الملاقاة بمنزلة زوال التغير. فكما لا ترفع المادة النجاسة التغيرية قبل ارتفاع التغير، كذلك يحتمل ان لا ترفع النجاسة الملاقاتية الا بعد انتهاء الملاقاة.
وهذا لا يثبت المدعى، لان المطلوب ان الماء النابع لا ينفعل حال الملاقاة، لا انه يطهر بعد ارتفاعها.
لا يقال: ان مقتضى رواية ابن بزيع ان ماء البئر يطهر بعد زوال التغير لاجل المادة، سواء بقيت العين النجسة ام لا، وهذا يكشف عن ان المادة تمنع ايضا من النجاسة الملاقاتية، وهو معنى الاعتصام.
فانه يقال: لا اشكال في ان ماء البئر يحكم بطهارته بعد زوال التغير وان بقيت العين النجسة فيه، ولكن عدم تأثير الملاقاة في انفعاله قد لا يكون مستندا الى المادة، لان ماء البئر معتصم على كل حال، والرواية قد دلت على ذلك. فتامل.
وموضع التأمل انما هو في ان اعتصام ماء البئر هل هو من جهة نفس البئرية، او من جهة كونه ذا مادة؟
فان التعليل بالمادة انما هو في مقام بيان رفع النجاسة الحاصلة بالتغير، واما عدم الانفعال بالملاقاة فهو من احكام ماء البئر المفروغ عنها، ولم يثبت ان هذا الاعتصام من آثار المادة، لا من آثار البئرية.
نعم، لا يبعد بعد التأمل ان يقال: ان اعتصام ماء البئر انما هو لاجل السعة المذكورة في قوله عليه السلام: ماء البئر واسع، وقد تقدم ان المراد بالسعة هو الكثرة، تارة بالفعل، واخرى بالقوة والمنشأ، وفي كلا التقديرين يثبت المطلوب، لان الماء الجاري قد يكون ذا مادة فيكون له السعة المعنوية، وقد يجتمع فيه ذلك مع الكثرة الخارجية ايضا. فتامل جيدا.
لا يقال: ان النجاسة التي ترفعها المادة بمقتضى التعليل هي النجاسة غير المقارنة للتغير.
فلذلک: اذا كانت المادة رافعة لهذا القسم، كانت دافعة له ايضا.
فانه يقال: ان الذي يثبته التعليل ليس الا رافعية المادة للنجاسة الحاصلة بالتغير بعد زوال التغير، ولا يثبت بنحو القضية الكلية انها دافعة لكل نجاسة غير مقترنة بالتغير، حتى يستنتج منه اعتصام الماء.
نعم، يمكن تقوية هذا الاحتمال بضم بعض الادلة الخارجية، فيقال: اذا كانت المادة ترفع النجاسة التغيرية بعد زوال التغير، فمن البعيد جدا ان تكون النجاسة الملاقاتية اشد منها بحيث تبقى بعد زوال الملاقاة مع وجود المادة.
واذا ثبت ان الماء النابع بعد ارتفاع الملاقاة لا يحكم بنجاسته لاجل المادة، لزم ان لا يحكم بنجاسته حال الملاقاة ايضا، اذ لا وجه للتفكيك بين الحالين.
وبعبارة اخرى: اما ان يقال بان الماء النابع ينجس بالملاقاة وتبقى نجاسته بعد ارتفاعها، واما ان يقال بعدم تنجسه من الاول. ولما كان الاول باطلا ثبت الثاني، وهو معنى الاعتصام.
ثم ينبغي في المقام الثاني ملاحظة النسبة بين دليل اعتصام الماء النابع، وبين دليل انفعال الماء القليل بالملاقاة، فان دليل الماء القليل يشمل القليل النابع ايضا.
الوجه الخامس
وهذا الوجه ايضا مبني على رجوع التعليل في رواية ابن بزيع الى رفع النجاسة، لا الى اصل الاعتصام.
وتوضيح ذلك: ان الماء النابع اذا لاقى النجاسة، فالمتصور فيه وجوه:
الاول: ان لا ينفعل اصلا.
الثاني: ان ينفعل، ولكن ترتفع نجاسته بالمادة في اول زمان تحققها.
الثالث: ان ينفعل وتبقى نجاسته مع وجود المادة.
فالاول هو المدعى، والثالث مخالف لمدلول رواية ابن بزيع، لانها دلت على كون المادة سببا لارتفاع النجاسة.
واما الثاني، فهو لغو عرفا، اذ لا معنى لان يحكم بنجاسة الماء في آن، ثم بطهارته في الآن الذي يليه بلا فصل.
فتعين الاول.
واجابوا عنه: بانه لو غض النظر عن الاجماع وسائر الادلة المتقدمة، امكن فرض وجه رابع، وهو:
ان الماء النابع ينجس بالملاقاة، ولا ترفعه المادة الا بعد زوال نفس الملاقاة.
فلا تكون هذه النجاسة آنية حتى يلزم اللغو، لانها باقية ما دامت العين النجسة موجودة، ولا يكون ذلك مخالفا لرواية ابن بزيع، لان الرواية انما دلت على ان المادة ترفع النجاسة التغيرية بعد زوال التغير، ولا ملازمة بينها وبين رفع النجاسة الملاقاتية حال تحقق الملاقاة.
فتحصل ان اقوى ما يستدل به على اعتصام الماء النابع هو رواية ابن بزيع، ولكن بالتقريبين الاول والثاني اللذين تقدم بيانهما، مع ضم بعض الوجوه المذكورة في كلماتهم، فتكون الرواية دالة على اعتصام الماء النابع.
















ثبت دیدگاه