فقه – مباحث طهارت – جلسه 37
احتمال آخر في رواية ابن بزيع
ومن المحتمل في رواية ابن بزيع ان يقال: ان قوله: «فينزح حتى يذهب الريح ويطيب الطعم…» واقع موقع التعليل لا الغاية. فيكون المعنى ان الماء ينزح الى ان يزول تغيره ويطيب طعمه ثم يحكم بطهارته لان له مادة.
على هذا لا يكون للنزح موضوعية اصلا، بل المدار كله على حصول زوال التغير، ويكون النزح مجرد طريق اليه، لا بما هو نزح، لا من جهة ادخال الدلو ولا من جهة الامتزاج، بل من حيث كونه احد اسباب زوال التغير. وعليه يكون المطهر هو زوال التغير، فبمقتضى التعليل واطلاقه، كل ماء له مادة متى زال تغيره حكم بطهارته، سواء حصل الامتزاج ام لم يحصل.
ولكن يبقى الاشكال المتقدم بعينه، ولا فرق بين كون التعليل ناظرا الى مطهرية زوال التغير او مطهرية النزح، لما تقدم من ان مورد الرواية مشتمل على الامتزاج، وهو بنفسه صالح لتقييد الظهور. على ان كون “حتى” للتعليل لا للغاية لا يخلو من اجمال، وهذا الاجمال يمنع من تمامية الاستدلال.
ويمكن ان يقال ايضا: ان الامتزاج الواقع في مورد الرواية انما تحقق قبل زوال التغير، ولا ارتباط له بالامتزاج الذي وقع الكلام فيه، فان الامتزاج الذي يدعيه القائلون بالاشتراط هو الامتزاج بالماء المعتصم الطاهر بالفعل، وهذا غير ثابت في مورد الرواية. لان الماء الجديد الذي يدخل من المادة بمجرد اتصاله بالماء المتنجس يصير متنجسا، فلا توجد حالة يمتزج فيها ماء طاهر بالفعل بماء متنجس. ومن هنا تكون الرواية دالة على كفاية مجرد الاتصال بلا حاجة الى الامتزاج، وهذا هو الوجه الذي يمكن الاعتماد عليه. بل قد يتفق ان يزول التغير عن تمام ماء البئر دفعة مع عدم تحقق امتزاج بالمعنى المدعى.
اللهم الا ان يقال: لا نسلم عدم تحقق الامتزاج بالمعتصم بالفعل، فان الماء ما دام متصلا بالمادة ويزول تغيره تدريجا، يصدق في المراتب الاخيرة اتصال الماء المتنجس بالماء المعتصم بالفعل، لان القسم الاسفل قد صار معتصما بالفعل، وبقي القسم الاعلى متنجسا، والعرف يرى صدق الاتصال بالماء المعتصم في هذه الحال. غاية الامر ان الاحتياط يقتضي مراعاة الامتزاج مع الاتصال بالكر، وان كان القول بعدم اشتراط الامتزاج لا يخلو من قوة. فافهم.
مسألة
اذا وقع النجس في الماء فلم يتغير ثم تغير بعد مدة
اذا وقع النجس في الماء فلم يتغير حين الملاقاة، ثم تغير بعد مدة، فان علم استناد هذا التغير الى تلك النجاسة حكم بنجاسته، وان لم يعلم استناده اليها لم يحكم بالنجاسة.
كلام المحقق الیزدی ينقسم الى قسمين:
الاول: اذا كان التغير مستندا الى نفس النجاسة، فهو موجب للنجاسة. ومجرد تأخر ظهور التغير عن زمان الملاقاة لا يوجب سقوط الاستناد عرفا، ولا يقدح في صدقه، لان الاثر قد يترتب بحسب اقتضاء المؤثر، واختلاف الزمان لا يخرجه عن كونه اثرا لتلك النجاسة، كما هو واضح.
الثاني: اذا لم يعلم استناد التغير الى النجاسة، حكم بطهارة الماء.
وذلك لان الشك في قيد من قيود موضوع التنجيس يوجب الرجوع الى استصحاب الطهارة او اصالة الطهارة، بل المرجع في الحقيقة هو هذه الاصول العملية.
وانما الكلام في انه هل يوجد في امثال هذه الموارد، وسيأتي نظيرها في المسألة السادسة عشرة، اصل او دليل حاكم يقدم على اصالة الطهارة او استصحابها ام لا.
الاول: الشك في اصل تحقق التغير
والشك في التغير على قسمين:
الاول: ان تكون الشبهة مفهومية، بان يشك في ان هذا المقدار من التغير هل يصدق عليه التغير المأخوذ في الادلة ام لا. ففي مثله يرجع الى اطلاقات ادلة الاعتصام، كقوله: «الماء اذا بلغ قدر كر لم ينجسه شيء».
انها خصصت بادلة التغير، ومع اجمال المخصص من جهة المفهوم وتردده بين الاقل والاكثر، يتمسك في الزائد باطلاق دليل الاعتصام ويحكم بالطهارة.
الثاني: ان تكون الشبهة مصداقية، بان يشك في تحقق التغير خارجا. ففي هذه الصورة يجري استصحاب عدم التغير، وهو استصحاب موضوعي، وعلى مبنى المشهور يكون حاكما على استصحاب الطهارة.
الثاني: العلم بالتغير مع الشك في استناده الى النجس
وهذا هو مورد ذيل المسألة، بان يعلم بحصول التغير، ولكن يشك في انه مستند الى النجاسة او الى امر طاهر.
وقد ذكر بعض الاعلام جريان استصحاب عدم التغير المستند الى النجس، لان الحكم بانفعال الماء المعتصم مترتب على التغير المستند الى النجاسة، فمع الشك في تحقق هذا العنوان يستصحب عدمه.
وليس المراد بذلك استصحاب العدم الازلي، بل المراد ان هذا الماء كان موجودا ولم يكن متغيرا بالنجاسة، والاصل بقاؤه على ذلك.
والتحقيق ان يقال: ان عنوان “التغير المستند الى النجس” هل هو قيد واحد اخذ بنحو التقييد، او هو مركب من جزأين؟
فان التغير المأخوذ في لسان الادلة يحتمل فيه امران:
الاول: ان يكون مأخوذا بنحو التقييد، فيكون موضوع الحكم عنوانا واحدا، وهو التغير الخاص المستند الى النجاسة. وعلى هذا يصح استصحاب عدم التغير المستند الى النجس كما تقدم.
ولازم هذا المبنى انه لما كان الموضوع عنوانا واحدا، لم يمكن اجراء استصحاب النجاسة في بعض الفروض.
فلو فرض وقوع ميتة انسان في هذا الماء، ثم تغير بعد مدة، وشك في ان هذا التغير هل استند الى النجاسة ام لا…
















ثبت دیدگاه