فقه – مباحث طهارت – جلسه 20
مسألة: «إذا ألقي المضاف النجس في الكرّ فخرج عن الإطلاق إلى الإضافة تنجّس، وإن صار معا قبل الاستهلاك، وإن حصل الاستهلاك والإضافة دفعة لا يخلو الحكم بعدم تنجّسه من وجه، لكنّه مشكل».
قد تقدّم في المباحث السابقة أنّ السيد في العروة الوثقى قد تعرّض لحكم الماء المضاف المتنجس على نحو التفصيل، فذكر أنّه إذا استهلك في الماء المعتصم طهر، كما أنّه إذا أُلقِيَ في الماء المعتصم ما يوجب خروجه عن الإطلاق إلى الإضافة حكم بنجاسته، فكان لكلٍّ من صورتي الاستهلاك وخروج الماء إلى الإضافة حكم مستقل.
وأمّا في هذه المسألة الجديدة فقد تعرّض (قدس سره) لصورة اجتماعهما أو تداخلهما، بحيث يقع الاستهلاك والإضافة معاً أو متعاقبين على أنحاء مختلفة، ويمكن تصوير ذلك في ثلاث صور:
الأولى: أن تتحقق الإضافة أولاً ثم يقع الاستهلاك بعدها.
الثانية: أن يتحقق الاستهلاك أولاً ثم تحصل الإضافة بعده، كما في النشاء إذا امتزج بالماء ثم أوجب تغيّره.
الثالثة: أن يتحققا معاً في آنٍ واحد من غير سبقٍ لأحدهما على الآخر.
ثم يقع البحث أولاً في الإمكان الثبوتي لهذه الصور، ثم في حكمها من حيث الطهارة والنجاسة.
البحث في الإمكان الثبوتي
إن لوحظ الأمر من حيث الكمية المحضة ونسبة أحد المائعين إلى الآخر، فالأمر يدور بين حالات ثلاث:
فإن كان المضاف أقلّ استهلك في الماء المعتصم، وإن كان الماء المعتصم أقلّ فني فيه وانقلب المجموع إلى الإضافة، وإن تساويا أو تقاربا حصل مائع ثالث مردّد بين الإطلاق والإضافة.
وعليه فاجتماع الاستهلاك والإضافة على نحو الدفعة الواحدة بحسب النظر الكمي الصرف بعيد، بل غير ممكن، إذ كلّ واحد منهما يقتضي عدم الآخر.
وأمّا إذا أُدخلت العوامل الكيفية ـ من حرارة أو تفاعلات أو خواص مادية ـ أمكن تصوير صورتين:
إحداهما: سبق الاستهلاك ثم عروض الإضافة بتأثير كيفي.
والأخرى: سبق الإضافة ثم زوالها تدريجاً مع حصول الاستهلاك.
وأمّا الصورة الثالثة ـ وهي تحققهما معاً ـ فإنما يمكن فرضها مع إدخال جهة كيفية، بأن يقال: إن الاستهلاك بلحاظ الكم، والإضافة بلحاظ الكيف، فيجتمعان من جهتين، وإلا فبدون ذلك لا يخلو عن الامتناع.
البحث في الحكم الشرعي
الصورة الأولى: تحقق الإضافة قبل الاستهلاك
إذا تحققت الإضافة أولاً خرج الماء عن الإطلاق وصار مضافاً، فيكون قابلاً للانفعال بالملاقاة، فإذا لاقى النجس تنجس تمام المجموع، ولا ينفع الاستهلاك اللاحق في رفع النجاسة، إذ المفروض أنّ التنجس قد حصل في ظرف كونه مضافاً، وبعد ذلك لا يوجب اندماجه في الكرّ ارتفاع ما ثبت له من حكم النجاسة.
نعم، إنما يكون الاستهلاك مطهّراً فيما إذا لم يتحقق عنوان الإضافة على وجه الاستقلال العرفي.
الصورة الثانية: تحقق الاستهلاك قبل الإضافة
وفي هذه الصورة يقع البحث على وجهين:
الأول: أن يقال إن المضاف قد استُهلك حقيقةً في الماء المعتصم، ثم عرض عليه عنوان الإضافة من جديد بعامل خارجي، كحرارة أو تفاعل، فحينئذٍ يحكم بالنجاسة، لأن عود الشيء المتنجس بعد استهلاكه إلى الظهور العرفي يعدّ في الحقيقة رجوع عين النجاسة السابقة، لا استحالة جديدة.
الثاني: أن لا يكون هناك رجوع للأجزاء حقيقةً، بل إنما حصل تغيّر كيفي أوجب صدق عنوان الإضافة، فحينئذٍ:
فإن كان الاستهلاك بمعنى فناء الأجزاء وعدم بقائها بنحوٍ يُعتنى به عرفاً، حكم بالطهارة، لعدم بقاء ما يوجب التنجيس.
وأمّا إذا لم يتحقق الفناء التام، وبقي أثر محسوس وإن لم يُدرَك تفصيلاً، فالظاهر بقاء عنوان المضاف عرفاً، فيحكم بالنجاسة.
وخلاصة الكلام: إن الحكم في هذه الصور يدور مدار الصدق العرفي لمفهوم الاستهلاك؛ فإن كان الاستهلاك بنحوٍ يرفع الأثر بحيث لا يبقى ما يصدق معه عنوان المضاف، حكم بالطهارة، وإلا فالحكم بالنجاسة هو الأقوى.
















ثبت دیدگاه