فقه – مباحث طهارت – جلسه 102
و لایخفی علیک إن جميع ما تقدم في المسألة السابقة إنما كان فيما إذا كان ملاقي النجاسة معينا. وأما إذا لم يكن معينا:
فلو لاقت النجاسة أحد الماءين غير المعين، حكم بطهارة كلا الماءين.
وذلك لأن الماء الذي لاقته النجاسة واقعا إن كان كرا فلا أثر للملاقاة، لأن الكر عاصم. وإن كان قليلا، فمع أن الملاقاة لو تحققت أوجبت الانفعال، إلا أن أصل تحققها مشكوك من الابتداء، والأصل عدمه. وليس المقام من موارد الشك في التقدم والتأخر، بل هو من موارد الشك في تحقق أحد جزئي الموضوع، وهو الملاقاة، بعد إحراز الجزء الآخر، والأصل يقتضي عدم تحققها.
فالحكم بطهارة الماءين معا، أحدهما الكر بالوجدان، والآخر القليل غير المعين تعبدا.
وأما استصحاب عدم بلوغ الماء الذي لاقته النجاسة عندنا غير المعين حد الكر، فلا أثر له حتى يعارض استصحاب عدم تحقق الملاقاة من الأصل.
فإنه بعد العلم بطهارة الماء الكر بالوجدان، وطهارة الماء القليل تعبدا، لا يمكن لهذا الأصل أن يثبت أن النجاسة لاقت الماء القليل الموجود في البين حتى يحكم بانفعاله.
ويتضح المقام بالمقايسة إلى فرض آخر، وهو ما إذا كان عندنا ماءان، أحدهما معين الكرية والآخر معين القلة، ثم وقعت قطرة بول إجمالا في أحدهما. فلا إشكال في الحكم بطهارة الماء القليل؛ لأن وقوعها في الماء الكر لا أثر له، ووقوعها في الماء القليل مشكوك من الأصل، والأصل عدم وقوعها فيه. ولا مجال حينئذ لاستصحاب عدم كرية الماء الذي وقعت فيه القطرة؛ لأن هذا الأصل لا يثبت وقوعها في الماء القليل. فتأمل جيدا.
مضافا إلى أنه لو سلم جريان هذا الأصل، لعارضه استصحاب عدم وقوع القطرة على الماء القليل، فيتساقطان، ثم تكون النوبة إلى قاعدة الطهارة.
فإذا كان الحكم كذلك فيما إذا كانت كرية أحد الماءين معلومة بالتعيين، ففيما إذا علم إجمالا بكون أحدهما كرا يكون الحكم كذلك بطريق أولى.
وعليه، فما أفاده السيد في العروة من الحكم بالطهارة في هذا الفرض متين لا غبار عليه.
والله هو العالم.
مسألة
القليل النجس المتمم كرا بطاهر أو نجس نجس على الأقوى.
والكلام في هذه المسألة يقع في أن الماء القليل النجس هل يطهر بإتمامه كرا أم لا؟
وقد اختلفت كلمات الأصحاب في ذلك على ثلاثة أقوال:
الأول: وهو المشهور بينهم، أن الماء القليل النجس لا يطهر بإتمامه إلى حد الكر، سواء أتم بماء طاهر أم بماء نجس، بل لا يطهر إلا بالاتصال بالماء الكر أو الجاري أو ما هو في حكمهما كماء المطر.
الثاني: ما ذهب إليه السيد المرتضى وابن حمزة، من أنه إن تمم بالماء الطاهر حتى بلغ كرا طهر، وإن تمم بالماء النجس لم يطهر.
الثالث: ما ذهب إليه ابن إدريس، من كفاية الإتمام إلى حد الكر مطلقا، سواء كان بالماء الطاهر أم بالماء النجس.
فهذه هي أقوال المسألة.
وقد ذكر بعض الأعاظم أن الذي ينبغي البحث عنه في الحقيقة قولان لا ثلاثة: قول المشهور، وقول ابن إدريس.
وذلك لأنه إما أن يقال إن الإتمام إلى حد الكر لا يكفي مطلقا، كما عليه المشهور، أو يقال إنه يكفي مطلقا، كما ذهب إليه ابن إدريس. وأما التفصيل بين الإتمام بالماء الطاهر والإتمام بالماء النجس، كما اختاره السيد المرتضى وابن حمزة، فلا وجه له.
واستدل لذلك بأنه لو قيل بأن الإتمام إلى حد الكر موجب للطهارة، لم يكن فرق بين الماء الطاهر والماء النجس، ولا بين الماء المطلق والمضاف، إذا لم يوجب الامتزاج زوال إطلاق الماء.
بل يلزم على هذا المبنى التعدي إلى القول بكفاية الإتمام بالأعيان النجسة، كالبول ونحوه، إذا لم يوجب التغير؛ لأن المدار حينئذ على حصول الكرية.
وبعبارة أخرى: إن الكرية بنفسها هي التي لها خاصية الاعتصام عن النجاسة، وهي المقتضي للطهارة، سواء حصلت بالماء أو بغيره، وسواء حصلت بطاهر أو بنجس.
ثم قال: إن لازم هذا المبنى كفاية الأعيان النجسة في التطهير، وواضح بطلانه، فيستكشف منه صحة مذهب المشهور، وهو عدم كفاية الإتمام إلى حد الكر مطلقا.
أقول: وفي كلام بعض الأعاظم هنا نظر.
فإن تفصيل السيد المرتضى بين الإتمام بالماء الطاهر والإتمام بالماء النجس لعله مبني على أن الماء الطاهر يقوي الاعتصام، وأن المدار ليس مجرد بلوغ حد الكر.
بل الماء الطاهر يقوم مقام ما اعتبره المشهور في التطهير، وهو اتصال الماء النجس بالماء الكر، فإن هذا الاتصال يوجب تقوية الاعتصام وطهارة الماء النجس.
فكأن السيد المرتضى يرى أن الإتمام بالماء الطاهر يقوم مقام الاتصال بالماء الكر في الأثر. وقد سبق منا في الأبحاث السابقة تقوية هذا الوجه من خلال أدلة الكر، وسيأتي إن شاء الله تعالى مزيد تحقيق فيه.
فما أفاده السيد الخوئي من عدم وجود وجه للتفصيل بين الماء الطاهر والماء النجس، ليس بتام، ووجهه ما تقدم بيانه.
















ثبت دیدگاه