اصول – مباحث الفاظ – جلسه 35
اقسام الحقيقة وبيان حال الالفاظ الشرعية
بعد ان ذكرنا اجمالا البحث عن الحقيقة الشرعية، ومن باب ان بعض المطالب فيها فائدة مفيدة، نذكر مزيدا من التوضيح والتفصيل.
اقسام الحقيقة
اولا: لا بد في هذا البحث من معرفة اقسام الحقيقة؛ لان نسبة الحقيقة الى واضعها توجب تقسيمها الى اربعة اقسام:
القسم الاول: الحقيقة اللغوية
وهي الحقيقة التي يكون واضعها اهل اللغة، وقد تحققت بسبب الوضع اللغوي بين اللفظ والمعنى.
القسم الثاني: الحقيقة العرفية العامة
وهي الحقيقة التي تنشأ من عرف عامة الناس؛ بمعنى ان اللفظ اذا شاع استعماله بين عموم الناس في معنى خاص الى حد بحيث يفهم ذلك المعنى منه بلا قرينة، صار حقيقة عرفية عامة.
القسم الثالث: الحقيقة العرفية الخاصة
وهي الحقيقة التي تختص بجماعة او صنف خاص، كاصطلاحات الفقهاء والاطباء والتجار واهل الفنون المختلفة.
والحقيقة الشرعية في الواقع تكون مندرجة تحت هذا القسم؛ لان الشارع المقدس يعد واضعا خاصا، ولكن لاهمية هذا البحث وكثرة اثاره جعلت له عنوانا مستقلا وبحثا خاصا.
القسم الرابع: الحقيقة الشرعية
وهي الحقيقة التي يكون واضعها الشارع المقدس، بحيث يجعل اللفظ لمعنى خاص في الشريعة.
وينبغي التنبيه ايضا الى ان بعض الاعلام فصلوا بين الحقيقة الشرعية والحقيقة الدينية.
ولعل مرادهم من الحقيقة الدينية هو الالفاظ التي تكون من قبيل اسماء الذوات والصفات، كلفظ المؤمن والكافر ومشتقاتهما، لا اسماء الافعال كالصلاة والصوم والحج.
تقسيم الالفاظ في الخطابات الشرعية
ثم ان الالفاظ التي تقع في الخطابات الشرعية وفي بحث الحقيقة الشرعية تنقسم من جهة المعنى الى اقسام:
القسم الاول:
الالفاظ التي يكون بينها وبين الخطاب الشرعي اتحاد كامل مع العرف، مثل: الارض، الماء، الكلب.
ففي هذه الموارد يكون نفس المعنى العرفي هو الملاك، ويكون حمل الخطاب الشرعي على ذلك المعنى واضحا ولا اشكال فيه.
القسم الثاني:
الالفاظ التي يوجد اختلاف بين عرف زمان صدور الخطاب وعرف زمان المخاطب.
كالارطال والاوقية والدراهم.
ففي هذه الموارد لا بد من حمل الخطاب الشرعي على معنى عرف زمان صدور الكلام؛ لان الملاك هو فهم زمان صدور الخطاب، لا ما طرأ من التغيرات العرفية بعد ذلك.
القسم الثالث:
الالفاظ التي يحتمل فيها النقل او الوضع الجديد، بحيث يكون معناها في عرف زمان المخاطب معلوما، ولكن يحتمل ان يكون لها معنى اخر في زمان صدور الخطاب.
مثل: الامر، النهي، العام، الخاص.
ففي هذه الموارد يحمل اللفظ على المعنى العرفي، مع ملاحظة اصالة عدم النقل؛ اي ان الاصل العقلائي هو بقاء اللفظ على معناه الاول وعدم انتقاله الى معنى اخر، الا مع قيام الدليل.
القسم الرابع:
الالفاظ التي لها معنيان؛ احدهما لغوي والاخر عرفي، ونشك في ان المراد ايهما.
ففي هذا المورد يقع البحث عن تعارض العرف واللغة.
القسم الخامس:
الالفاظ التي يحتمل فيها النقل والوضع الجديد، ولكن لا يعلم زمان تحقق هذا النقل.
وهذا هو محل البحث الاساسي في الحقيقة الشرعية؛ اي البحث في ان انتقال هذه الالفاظ الى المعاني الجديدة هل تحقق في زمان الوحي وحضور النبي صلى الله عليه واله، او انه حصل بعد ذلك؟
فان كثيرا من الالفاظ الشرعية، كالصلاة، والزكاة، والصوم، والحج
تستعمل في عرف المتشرعة، سواء كانوا من الفقهاء او غيرهم، في غير معانيها اللغوية الاولى.
ففي اللغة العربية كانت هذه الالفاظ تستعمل في معان مثل: الصلاة: الدعاء. الزكاة: النمو والزيادة. الصوم: الامساك.الحج: القصد.
ولكنها في الشريعة حصل لها معنى جديد.
فالمشكلة الاساسية هي معرفة زمان تحقق هذا الانتقال في المعنى:
هل حصل في زمان الوحي وبواسطة الشارع المقدس؟
او انه تحقق بعد ذلك بسبب كثرة الاستعمال بين المتشرعة؟
فان كان انتقال المعنى قد حصل في زمان الوحي، كانت هذه الالفاظ حقائق شرعية.
واما اذا كان حصوله بعد زمان الوحي، فهي لا تكون الا حقائق متشرعية؛ اي انها صارت حقيقة بسبب الاستعمال الشائع بين اتباع الشريعة.
وقد ذهب بعض الاعلام ـ كما تقدم ـ الى ان هذه الالفاظ قد انتقلت من الشرائع السابقة، وان كانت بعض خصوصياتها قد تغيرت، ولكن هذا التغير لا يمنع من استمرار الحقيقة الشرعية.
تنبيه
ان كثيرا من الفاظ الكتاب والسنة لم تستعمل في معانيها اللغوية الاولية، بل صارت لها معان شرعية خاصة.
كقوله تعالى: ﴿واقيموا الصلاة واتوا الزكاة﴾
فان ظاهر الاية يدل على ان المراد من الصلاة والزكاة ليس معناهما اللغوي، كالدعاء والنمو، بل المراد هو المعنى الشرعي الخاص.
فالحاصل: ان غالب الالفاظ الشرعية كانت في زمان صدور الخطابات ذات معان شرعية خاصة، وانما عند الشك في المراد يرجع الى الاصول اللفظية والقواعد العقلائية لتعيين المقصود من الخطاب.
زمان تحقق الحقيقة الشرعية وبيان اقوال الاصوليين
عند التأمل في كلمات الاصوليين، يظهر كما تقدم ان البحث في الحقيقة الشرعية يدور بين امرين:
احدهما: ان تكون هذه الالفاظ قد انتقلت الى المعاني الجديدة في زمان النبي الاكرم صلى الله عليه وآله.
وثانيهما: ان يكون هذا الانتقال قد تحقق بعد زمانه صلى الله عليه وآله، بسبب كثرة الاستعمال بين المتشرعة.
فعلى القول الاول تثبت الحقيقة الشرعية؛ لان النقل الى المعنى الجديد قد حصل في عصر الشارع.
واما على القول الثاني فلا تثبت الحقيقة الشرعية، بل غايته ثبوت الحقيقة المتشرعية؛ لان المتشرعة بعد عصر النبي صلى الله عليه وآله هم الذين اوجدوا هذا الاختصاص في الاستعمال.
ولكن بعض الاصوليين لم يجعلوا الملاك في تحقق الحقيقة الشرعية خصوص الوضع الجديد من قبل الشارع، بل قالوا: ان المدار هو بلوغ اللفظ في زمان النبي صلى الله عليه وآله حدا من كثرة الاستعمال في المعنى الجديد بحيث صار ذلك المعنى هو المتبادر منه بلا قرينة.
وعلى هذا، فحتى لو لم نقل بالوضع التعييني من قبل الشارع، وقلنا بان هذه الالفاظ استعملت اولا في المعاني الشرعية بنحو المجاز، ثم حصل النقل بسبب كثرة الاستعمال، فان الحقيقة الشرعية تكون ثابتة بهذا المعنى؛ لان الملاك هو تحقق الاختصاص بالمعنى الجديد في عصر الشارع، بحيث يفهمه اهل ذلك الزمان من نفس اللفظ.
خلاصة الكلام
بعد ملاحظة مجموع ما تقدم، فالحق ان الحقيقة الشرعية ثابتة في الجملة.
والدليل الاساسي على ذلك هو الاستقراء في طريقة جميع الواضعين والمخترعين.
وتوضيح ذلك:
ان كل من ينشئ ماهية جديدة او يبتكر تركيبا خاصا، كالأطباء الذين يخترعون دواء جديدا، او الصناع الذين يصنعون آلة مستحدثة، او العلماء الذين يضعون نظرية او اصطلاحا جديدا، فانهم في الغالب يضعون له اسما وعنوانا خاصا؛ لكي لا يحتاجوا عند بيان ذلك الاختراع الى شروح طويلة وقرائن متعددة.
بل يكفي مجرد ذكر الاسم او الاصطلاح في انتقال المقصود الى الآخرين.
وكذلك الامر في جميع العلوم والفنون، فان الاصطلاحات الخاصة، وعناوين الكتب، والمفاهيم العلمية الجديدة، غالبا ما تقترن بوضع اسم خاص لها.
ولا نجد مخترعا ينشئ حقيقة جديدة ثم يترك تسميتها ووضع عنوان خاص عليها.
بل الغالب ان وضع الاسم وتعيين الاصطلاح يكون مقدما على انتشار تلك الحقيقة واستعمالها بين الناس.
وعليه، فكيف يمكن ان يقال: ان الشارع المقدس مع كمال حكمته، ومع كون شريعته باقية الى يوم القيامة، قد جاء بماهیات جديدة للبشر، ثم لم يضع لها اسما وعنوانا خاصا؟
فان الشارع المقدس جاء بالعبادات والاحكام الجديدة لهداية البشر، وهذه المعاني لا بد ان تبقى وتنتقل عبر الاجيال، وانما يكون ذلك بواسطة الالفاظ والاصطلاحات الموضوعة لها.
فلو لم يجعل الشارع لهذه المعاني الجديدة الفاظا معينة، للزم ان يكون فهم الاحكام دائما متوقفا على القرائن الخارجية والبيانات الطويلة، مع ان حكمة الشارع تقتضي ان يجعل طريقا واضحا قابلا للانتقال والتفهيم.
فبالتأمل في سيرة العقلاء وطريقة جميع الواضعين، يظهر ان ترك التسمية ووضع الاصطلاح من قبل الشارع المقدس بعيد جدا، بل مخالف لمقتضى الحكمة.
كما ان بالرجوع الى كلمات قدماء الاصحاب نرى انهم في موارد كثيرة حملوا الفاظا مثل الصلاة والصوم والحج والزكاة على معانيها الشرعية، ولم يظهر بينهم اختلاف معتد به في اصل هذا الحمل.
وعليه، فالمتعين حمل خطابات الشارع على اصطلاحاته الشرعية، الا اذا قامت قرينة قطعية على الخلاف.
والاهم ان وضع الشارع لهذه الالفاظ ـ كما تقدم ـ كان من قبيل الوضع التعييني الاستعمالي؛ بمعنى ان الشارع ثبت هذه الالفاظ للمعاني الجديدة من خلال كثرة الاستعمال في مقام تفهيم تلك المعاني، لا بمجرد التصريح بالوضع.
فتأمل جيدا.
















ثبت دیدگاه