اصول – مباحث الفاظ – جلسه 33
الحقيقة الشرعية
هل وضع الشارع المقدس لبعض الالفاظ معنى جديدا غير معناها اللغوي والعرفي، ام لا؟
لا اشكال في ان النزاع بين القائلين بالحقيقة الشرعية والمنكرين لها انما هو في الماهيات الشرعية المخترعة، كالصلاة والصوم والحج وامثالها.
واما في المفردات، كلفظ الركوع والسجود والقيام والقعود ونحوها، وكذلك في الامور العرفية التي اخترعها الناس بانفسهم، فلا مجال لهذا النزاع؛ وذلك لان الشارع في هذه الموارد استعمل الالفاظ في معانيها العرفية او اللغوية.
كما انه استعمل سائر الالفاظ، كالماء والتراب والحجر ونحوها، في معانيها اللغوية المعهودة.
ولو فرض ان الشارع اعتبر في هذه الموارد قيدا او شرطا خاصا، فانه قد بينه بدليل اخر وقرينة مستقلة، لا انه تصرف في المعنى اللغوي ونقل اللفظ الى معنى جديد. فاستعمال الشارع في هذه الموارد هو نفس الاستعمال العرفي واللغوي، غاية الامر انه بين قيودا خاصة في مقام بيان مطلوبه بواسطة ادلة اخرى.
وعليه، فباب المعاملات كالبيع والصلح والاجارة ونحوها خارج عن محل النزاع ايضا؛ لانها حقائق عرفية امضاها الشارع، وان كان قد اضاف اليها بعض القيود الوجودية او العدمية بدليل اخر.
وعليه فالتفصيل بين العبادات والمعاملات الذي ذهب اليه بعض الاعلام ليس بصحيح من اساسه؛ لان النزاع انما يتصور فيما اذا كانت الماهية مخترعة من قبل الشارع، والحال انه لا يوجد مثل ذلك في المعاملات.
ثم ان مما تقدم يظهر ان هذا البحث حتى في العبادات انما يجري فيما اذا قلنا بان حقيقة العبادات قد تأسست في الشريعة الاسلامية.
واما اذا قلنا بان العبادات كانت موجودة في الشرائع السابقة ايضا، وان الاختلاف انما هو في بعض الخصوصيات والقيود، فحينئذ ينتفي هذا البحث من اصله.
وقد يستفاد ذلك من بعض الايات القرانية.
قال تعالى حكاية عن عيسى عليه السلام:
﴿واوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا﴾
وقال تعالى في شأن ابراهيم عليه السلام:
﴿واذن في الناس بالحج﴾
وقال سبحانه: ﴿كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم﴾
فبناء على هذه الايات، يكون اصل هذه العبادات موجودا في الشرائع السابقة ايضا. وعليه فالالفاظ كالصلاة والصوم والحج تكون الفاظا لغوية، وقد استعملها الشارع في نفس المعاني المعروفة، وان كان قد بين بعض الشرائط والموانع بواسطة ادلة اخرى.
ولكن قد يقال:
ان مجرد وجود هذه المعاني في الشرائع السابقة لا يكفي في اثبات عدم الحقيقة الشرعية؛ اذ من الممكن ان تكون هذه المعاني موجودة، ولكن الالفاظ الخاصة كالصلاة والصوم والحج لم تكن موضوعة لها في تلك الازمنة.
فربما يكون الشارع قد وضع هذه الالفاظ لهذه المعاني وضعا جديدا، وبذلك تتحقق الحقيقة الشرعية.
لان الملاك في ثبوت الحقيقة الشرعية وعدمه هو ان الشارع هل وضع هذه الالفاظ لهذه المعاني ام لا.
ولكن الجواب التحقيق عن هذا الاشكال:
اما في لفظ الصوم، فيمكن ان يقال: ان هذا اللفظ كان له معنى معهود ومعروف عند العرب؛ وذلك لان الصوم لو كان لفظا غير معروف عند الناس، لاحتاج النبي صلى الله عليه واله الى بيان المراد منه وتفسيره لهم.
فعدم احتياجه الى البيان يكشف عن كون الصوم مستعملا في نفس المعنى المعروف عند العرب، وهذا يدل على انه كان معروفا بهذا المعنى في الشرائع السابقة ايضا.
وعليه يمكن القول بان البحث عن الحقيقة الشرعية في هذا المورد غير جار.
نعم، الا ان يقال: ان لفظ الصوم في الشرائع السابقة ايضا كان قد صار حقيقة شرعية في ذلك المعنى الجديد، وان هذه الحقيقة الشرعية استمرت الى زماننا.
وبغض النظر عن هذا الاشكال.
فاذا قبلنا بان هذه الماهيات، كالصلاة والحج والصوم، كانت جديدة في الشريعة الاسلامية، او انها كانت موجودة في الشرائع السابقة ولكنها كانت تسمى بالفاظ اخرى، فحينئذ يقع البحث عن الحقيقة الشرعية.
وحينئذ توجد احتمالات:
فقد ذهب بعضهم الى ان استعمال الشارع كان من باب المجاز، وان الشارع كان يستعمل اللفظ في المعنى الجديد مع وجود القرينة.
وذهب بعضهم، كالباقلاني، الى ان الشارع كان يستعمل الالفاظ في معانيها اللغوية دائما، وانما كان يبين الخصوصيات الجديدة بواسطة ادلة خارجية.
وذهب جماعة الى ان الشارع نفسه وضع هذه الالفاظ لهذه المعاني الشرعية.
والحاصل:
انه لا شك في ان معاني شرعية جديدة قد تحققت من قبل الشارع المقدس، وانه استعمل في بيانها الفاظا كانت قبل ذلك موضوعة لمعان خاصة في اللغة العربية.
وانما الكلام فيما هل نقل الشارع هذه الالفاظ من معانيها اللغوية الى المعاني الشرعية، ووضعها لها وضعا جديدا، حتى تثبت الحقيقة الشرعية؟
او انه لم يحصل هذا النقل، وانما استعمل الشارع هذه الالفاظ في المعاني الشرعية استعمالا مجازيا مع القرينة، فلا تثبت الحقيقة الشرعية؟
فمثلا: لفظ الصلاة في اللغة بمعنى الدعاء، ولكن الشارع استعمله في العبادة الخاصة التي لها اجزاء وشرائط معينة.
فهل وضع الشارع لفظ الصلاة لهذه العبادة الخاصة ونقلها اليها؟
ام انه استعملها فيها استعمالا مجازيا مع القرينة؟
تقدم سابقا ان الوضع الابتدائي يتصور على نحوين:
الاول: الوضع اليقيني بواسطة القول الصريح.
الثاني: الوضع بواسطة الاستعمال.
وذلك لان استعمال اللفظ في معنى خاص يكون بنفسه من لوازم وجود العلاقة الوضعية، فيمكن ان يكشف الاستعمال عن تحقق تلك العلاقة بالدلالة الالتزامية، وبذلك يحصل الوضع بواسطة نفس الاستعمال.
والقرينة التي تستعمل هنا تكون لاثبات تحقق الوضع بواسطة الاستعمال، لا لتعيين المعنى المجازي، ولذلك فهي تختلف عن قرينة المجاز.
وبناء على هذه المقدمة، قال المحقق الخراساني:
انه لما لم يصل الينا نقل صريح وقولي عن الشارع في وضع هذه الالفاظ، ومن جهة اخرى لو لم نقل بالوضع للزم ان تكون جميع استعمالات الشارع استعمالات مجازية، وهذا غير ممكن؛ لان العلاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي ليست موجودة دائما.
فمثلا لا توجد مناسبة واضحة بين الصلاة بمعنى الدعاء وبين الصلاة بمعنى العبادة الخاصة.
لا یقال : ان العلاقة هي علاقة الجزء والكل، لان الدعاء جزء من الصلاة.
فانه یقال: ان مجرد هذه المناسبة لا يكفي؛ لان الدعاء ليس من الاركان الاساسية للصلاة، بل هو امر من الامور الموجودة فيها.
فالحاصل:
ان الشارع لم يضع هذه الالفاظ بوضع صريح وقولي، بل تحقق الوضع بواسطة الاستعمال.
وعليه فثبوت الحقيقة الشرعية يكون من قبيل الوضع اليقيني الاستعمالي، لا الوضع اليقيني القولي.
ودليل التبادر يثبت اصل تحقق الوضع، وعدم وصول نقل قولي عن النبي صلى الله عليه واله يدل على ان نوع الوضع كان بواسطة الاستعمال.
وسيأتي ان شاء الله في الدرس القادم بيان الاشكالات الواردة على هذه النظرية، وثمرة البحث في الحقيقة الشرعية.
















ثبت دیدگاه