اصول – مباحث الفاظ – جلسه 32
الثمرة الخامسة: روايات الطهارة والحلية
ورد في الروايات: «كل شيء طاهر حتى تعلم انه قذر»
و «كل شيء حلال حتى تعلم انه حرام».
وقد ذكر بعضهم انه يمكن استفادة الاستصحاب من هاتين القاعدتين، مضافا الى قاعدة الطهارة والحلية.
ثم اورد عليه بان هاتين الروايتين لا يمكن ان تدلا معا على قاعدة الطهارة والحلية وعلى الاستصحاب، وذلك لان قاعدة الطهارة والحلية ناظرة الى ثبوت الحكم ابتداء، واما الاستصحاب فهو ناظر الى استمرار الحكم السابق.
والجمع بين الثبوت والاستمرار في استعمال واحد غير ممكن، لانه يستلزم استعمال اللفظ في اكثر من معنى.
الثمرة السادسة:
ورد في قوله عليه السلام: «لا تنقض اليقين بالشك»
ان البحث وقع في انه هل يمكن استفادة قاعدة اليقين وقاعدة الاستصحاب معا من هذه الرواية او لا؟
الثمرة السابعة:
في قوله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسا الا ما آتاها﴾
ذكر في باب البراءة اشكال، وهو انه لا يمكن ارادة التكليف والفعل معا من كلمة «ما آتاها»، وذلك لان كلمة «ما» ان اريد بها التكليف كانت نسبتها الى «يكلف» نسبة المفعول المطلق، وان اريد بها الفعل كانت نسبتها نسبة المفعول به.
والجمع بين هاتين النسبتين المختلفتين يستلزم اجتماع لحاظين مستقلين، وهو محال.
وينبغي التنبيه على امر مهم، وهو ان محل الكلام في جميع هذه الموارد في جواز او امتناع استعمال اللفظ في اكثر من معنى، انما هو فيما اذا استعمل اللفظ في معنيين على نحو الاستقلال في النسبة الحكمية، بحيث يكون كل معنى موضوعا لحكم مستقل، لا فيما اذا لوحظ مجموع المعنيين بلحاظ واحد.
ولذلك يناسب قبل الفراغ عن هذا البحث ان نوضح بصورة تفصيلية المراد من استعمال اللفظ في اكثر من معنى على نحو الاستقلال، حتى لا يقع الخلط في تحديد محل النزاع.
فان للاستقلال في هذا المقام معاني محتملة:
الاحتمال الاول:
ان يكون المراد من الاستقلال استقلال ذات المعنى في الذهن.
وهذا لا ينافي وحدة اللحاظ، فان تعدد المعنى لا يستلزم دائما تعدد اللحاظ.
فكما ان الانسان يمكنه ان يلاحظ عدة نقاط دفعة واحدة بلحاظ واحد، ويمكنه ايضا ان يلاحظ كل نقطة مستقلة، كذلك يمكن تصور عدة معان مع وحدة اللحاظ او تعدده.
وذلك لان التصور غير اللحاظ.
فالتصور هو ايجاد الصورة الذهنية، واما اللحاظ فهو توجه النفس الى تلك الصورة الذهنية.
الاحتمال الثاني:
ان يكون المراد من الاستقلال استقلال المعنى في مقام اللحاظ، بمعنى ان يكون كل معنى ملحوظا بلحاظ مستقل، لا ان يكون مجموع المعنيين ملحوظا بلحاظ واحد.
الاحتمال الثالث:
ان يكون المراد من استقلال المعنى استقلاله في مقام ارادة التفهيم.
في مقابل عدم استقلاله في هذا المقام، بان يكون المعنى مستقلا في نفسه، لكنه لا يكون متعلقا بارادة التفهيم.
الاحتمال الرابع:
ان يكون المراد من استقلال المعنى استقلاله في مقام ارادة الوجود والحكم الخارجي، كما في الفرق بين العموم الاستغراقي والعموم المجموعي.
اما الاحتمال الثالث والرابع فهما خارجان عن محل النزاع اساسا؛ لان ارادة التفهيم وارادة الوجود من دواعي الاستعمال ودوافعه، وليستا من حقيقة نفس الاستعمال.
فقد يقع الاستعمال من دون وجود ارادة تفهيمية، او من دون ارادة وجود خارجي.
وعليه، ينحصر النزاع في الاحتمالين الاول والثاني:
الاول: استقلال ذات المعنى.
الثاني: استقلال المعنى في مقام اللحاظ.
وقد ذكروا:
انه اذا كان المراد من الاستقلال استقلال ذات المعنى، فلا دليل على الامتناع العقلي، لان العقل لا يرى مانعا من لحاظ واحد بالنسبة الى معان متعددة، كما في لحاظ عدة نقاط دفعة واحدة.
واما اذا كان المراد استقلال المعنى في مقام اللحاظ، فيلزم المحذور العقلي؛ لان ارادة معنيين متباينين من لفظ واحد، بحيث يكون كل واحد منهما ملحوظا ومستقلا بالارادة، غير ممكن.
والظاهر من كلمات الاعلام، كصاحب الكفاية وبدائع الافكار وصاحب الفصول، ان المراد من الاستقلال في محل البحث هو الاستقلال اللحاظي، لا استقلال ذات المعنى.
قال صاحب الكفاية:
ان المراد من الاستقلال هو ان يراد كل واحد من المعنيين على نحو كأن اللفظ لم يستعمل الا فيه فقط.
وقال صاحب بدائع الافكار:
ان المراد هو ان يقع كل معنى مستقلا موردا للحكم والاثبات والنفي، كما لو قيل:
«أقرأت الهندان»
بان تكون احدى الهندين حائضا والاخرى طاهرة، بحيث كان اللفظ بمنزلة تكراره مرتين.
وقال صاحب الفصول:
ان المراد من استعمال اللفظ في كل واحد من المعنيين هو ان يكون كل معنى مقصودا من اللفظ وحده، كما لو كرر اللفظ.
وعليه، فاذا راجعنا الشواهد التي ذكرناها سابقا في الثمرات الثمانية، يظهر ان محل البحث في جواز استعمال اللفظ في اكثر من معنى او امتناعه، انما هو فيما اذا استعمل اللفظ في معنيين على نحو الاستقلال في النسبة الحكمية، اي الاستقلال اللحاظي، لا فيما اذا لوحظ مجموع المعنيين بلحاظ واحد، اي استقلال ذات المعنى.
ثم اذا قلنا بان وضع الالفاظ مبني على المرآتية، بمعنى ان اللفظ مرآة للمعنى، كان الامتناع العقلي واضحا؛ لان استعمال اللفظ في معان متعددة يستلزم اجتماع لحاظين في لفظ واحد، وهذا محذور عقلي.
واما اذا قلنا بان الوضع مبني على الامارية، اي كون اللفظ علامة على المعنى، فقد يقال بجواز استعمال اللفظ في اكثر من معنى؛ لان اللفظ في باب الامارية ليس واسطة في الادراك، بل هو مجرد سبب للانتقال الذهني الى المعنى، كما في الدخان الذي يكون سببا للانتقال الى وجود النار.
وعليه، لا يلزم في باب الامارية اجتماع لحاظين في شيء واحد.
ولذلك نقل عن المحقق الخراسانی في الدرس انه على مبنى الامارية يكون استعمال اللفظ في اكثر من معنى جائزا عقلا؛ لان كل معنى يمكن ان يكون متعلقا للحاظ مستقل، من دون ان يجتمع لحاظان في نفس اللفظ.
وقد ذكر المحقق العراقی :
ان التحقيق انه لا فرق بين المبنيين، اي الامارية والمرآتية، في الاستحالة؛ لان النفس الانسانية اذا توجهت الى شيء واستغرقت فيه بكل قوتها، امتنع في نفس الوقت توجهها الكامل الى شيء آخر مغاير له.
وهذا امر وجداني واضح.
وهذا الغفلت عن غير الملحوظ لازم لنفس الاستحالة العقلية، كما ان الانسان اذا ركز في مسألة علمية غفل عن غيرها من الامور.
فاللحاظ، بما انه من افعال النفس الاختيارية، لا يمكن اجتماع لحاظين فيه في آن واحد، بخلاف الصفات النفسانية غير الاختيارية، كالحب والبغض، فان اجتماعها ممكن، ولا يصح قياس الامور الاختيارية عليها.
نعم، يمكن ان يقال: ان كل معنى لا يكون متعلقا بتمام اللحاظ، بل يكون كل واحد منهما متعلقا بجزء من اللحاظ، فعندئذ لا يلزم المحذور العقلي، لان تمام التوجه الى كل واحد منهما غير موجود.
ولكن المحقق العراقی يقول بعد ذلك:
ان محل البحث هو استقلال كل معنى في اللحاظ استقلالا تاما، فالنتيجة ان استعمال اللفظ في اكثر من معنى يكون ممتنعا على مبنى المرآتية، وجائزا على مبنى الامارية.
ثم قال: بما ان المبنى الصحيح هو المرآتية، فلا بد من القول بالاستحالة العقلية.
والجواب عن كلامه واضح:
اولا: كما ذكرنا سابقا، نحن نمنع اصل دعوى عدم امكان توجه النفس الى معنيين.
وثانيا: ان مبنى المرآتية قد تقدم بيان عدم تماميته، فلا يمكن البناء عليه لاثبات الاستحالة.
















ثبت دیدگاه