اصول – مباحث الفاظ – جلسه 17
ان ما ذهب اليه المحقق آية الله البروجردي هو في الحقيقة تأييد لما اختار المحقق رضي، حيث يرى ان الحرف لا معنى مستقلا له بنفسه، بل هو بمنزلة الراية المنصوبة الى جانب شيء للدلالة على خصوصية فيه، فكذلك الحرف لا شأن له الا الاشارة الى نحو خاص من الارتباط.
وعليه، فحرف “من” مثلا لا معنى مستقلا له، وانما يفيد نسبة خاصة اذا وقع بين لفظين.
ومن هنا قالوا:
الحرف ما دل على معنى في غيره، اي في غير لفظه.
توضيح هذا المبنى
ابتدأ قدس سره ببيان حقيقة الارتباط، فقال:
ان جميع انواع الارتباط بين الشيئين، سواء كان الطرفان جوهرين، او عرضين، او كان احدهما جوهرا والآخر عرضا، لا تتحقق حقيقة الا بتحقق الطرفين مع الخصوصية التي ينشأ منها ذلك الارتباط.
فالعليّة، والتقدم والتأخر، والظرفية والمظروفية، وسائر النسب، لا معنى لها الا مع وجود الطرفين.
وعليه، فليس الارتباط امرا قائما بنفسه وراء وجود الطرفين، بل هو مندك ومتحد مع وجودهما.
ثم قال في بيان دور العقل:
ان العقل قد ينتزع من خصوصيات الطرفين مفهوما مستقلا يعبر عنه بالارتباط، الا ان الموجود في الذهن حينئذ ليس هو نفس الارتباط الخارجي، بل مفهوم ذهني منتزع عنه.
فالارتباط الحقيقي الخارجي، بالحمل الشائع، لا وجود له مستقلا، بل وجوده في ضمن وجود طرفيه.
ثم ذكر نكتة دقيقة، وهي ان المتكلم قد يقصد تارة بيان نفس مفهوم الارتباط مستقلا، وقد يقصد اخرى اظهار الارتباط الخارجي بين الشيئين.
ولهذا وضعت طائفتان من الالفاظ:
الاول: الاسم.
فانه وضع للدلالة على المفهوم المستقل، كقولنا:
الابتداء، والانتهاء، والسير، والصدور.
فهذه الالفاظ كسائر الاسماء، يحصل معناها في الذهن بنفس سماعها، من دون احتياج الى شيء آخر.
الثاني: الحرف.
فانه وضع للدلالة على نفس الارتباط الخارجي عند تركيب الكلام.
فحروف “من” و”الى” و”في” و”على” ونحوها لا تدل على شيء مستقل، وانما تدل على العلاقة القائمة بين الطرفين، لان معناها مندك في وجودهما.
فلو قلنا:
السير، والصدور، والابتداء، والانتهاء، والبصرة، والكوفة.
لم يدرك الذهن الا مفاهيم مستقلة، من دون ان يفهم رابطة بينها.
واما اذا قلنا:
سار زيد من البصرة الى الكوفة.
ادركنا ان السير قد صدر من زيد، وابتدأ من البصرة، وانتهى الى الكوفة.
فحرفا “من” و”الى”، وكذا هيئة الفعل، تدل على نفس الارتباط الواقعي بين الحركة وطرفيها، بخلاف لفظي “الابتداء” و”الانتهاء”، فانهما يدلان على مفهومين منتزعين مستقلين.
نتيجة هذا المبنى
ويتحصل من جميع ما تقدم امور:
الاول: ان الحرف لا معنى له مستقلا، لان معناه مندك في طرفي الارتباط.
الثاني: ان الاسم ذو معنى مستقل، ولذا يصح الاخبار عنه والحكم عليه.
الثالث: انه لا يصح ان يقال: “من زيد”، او: “الابتداء من”، لان الحرف لا يصلح ان يكون موضوعا ولا محمولا.
الرابع: ان قولهم: “من للابتداء”، ليس معناه ان مدلول “من” هو نفس مفهوم الابتداء، بل المراد ان نوع الارتباط الذي يفيده حرف “من” يشرح بمفهوم الابتداء.
وعلى هذا يحمل ايضا كلام المرحوم رضي الاسترابادي حيث قال:
الحرف وحده لا معنى له اصلا.
وكذلك قوله:
معنى “من” مدلول لفظ آخر يضاف الى معناه الاصلي.
اي ان معنى “من” لا يفهم الا بانضمامه الى مدلولي اللفظين اللذين يرتبط بهما.
فالحرف انما وضع لافادة الارتباط الحقيقي بين الشيئين، ومعناه مندك في طرفيه، بخلاف الاسم، فانه موضوع لمعنى مستقل قائم بنفسه.
مناقشة سائر المباني
وبهذا البيان يظهر الاشكال فيما ذهب اليه المرحوم آخوند الخراساني، حيث جعل الفرق بين الاسم والحرف مجرد اختلاف في كيفية اللحاظ، او في شرط اخذه الواضع عند الاستعمال.
فان الحرف، على هذا المبنى، ليس له معنى مستقل اصلا.
كما ان الوجدان يشهد بان معنى الابتداء غير معنى “من”، ومعنى الظرفية غير معنى “في”.
فالفارق بين المعاني الاسمية والحرفية فرق حقيقي، لا مجرد اختلاف في كيفية اللحاظ.
وكذلك يظهر ضعف القول بان الحروف مجرد علامات، بالمعنى الذي ذكره بعضهم، لان الوجدان يشهد بانها ليست مجرد علامات محضة.
كما ان ما ذهب اليه المرحوم المحقق النائيني من كون جميع المعاني الحرفية ايجادية، لا يتم ايضا، لان معاني الحروف تخطر في الذهن، وان لم تكن قابلة للاستقلال في التصور.
خلاصة النظرية
فالمتحصل ان الحروف موضوعة لافادة نحو خاص من الارتباط الواقعي بين الشيئين، ومعانيها غير مستقلة، بل هي مندكة في طرفي النسبة.
وعليه، فان الواضع قد لاحظ هذا النحو الكلي من الارتباط، ووضع اللفظ بازائه.
فلا مجال للقول بخصوصية الموضوع له او جزئيته، بل الموضوع له عام، كما ان الوضع عام.
فالحروف ادوات لافادة ذلك النحو من الارتباط الذي يفهم من مجموع طرفي الكلام.
وعلى هذا، يكون وضع الحروف من قبيل الوضع العام والموضوع له العام، ولا فرق من هذه الجهة بينها وبين الاسماء.
وبالتأمل في هذا التحليل تتضح حقيقة هذا المبنى على وجهها.
















ثبت دیدگاه