اصول – مباحث الفاظ – جلسه 16
واما القول الآخر الذي نتعرض له اليوم في باب المعاني الحرفية، فهو ما ذهب اليه بعض الاعاظم، حيث قال: ان الاسماء في الغالب موضوعة للامور الكلية، وان جميع المفاهيم الاسمية لها معان مستقلة في وعاء العقل والذهن.
بل حتى الاسم الجزئي قد تعرض له اعتبارات متعددة باختلاف الاحوال والازمنة والامكنة، كزيد الامس، وزيد اليوم، وزيد الضاحك، وزيد النائم، ونحو ذلك.
وعليه، فان وظيفة الحروف هي تخصيص هذه المعاني الكلية وتقييدها، وجعلها في حصة خاصة وحد معين.
وقد يكون هذا التخصيص بالاضافة، كقولنا: غلام زيد، وقد يكون بالوصف، كقولنا: الرجل العالم، وقد يكون بالمشتق، كالعالم، ونحو ذلك. ولما كانت هذه الموارد كثيرة، وضعت الحروف لافادة هذا النحو من التخصيص والتقييد.
توضيح ذلك بالمثال
قد يتكلم المتكلم بكلام مهمل لا يتعرض فيه لخصوصية من الخصوصيات، كما اذا قال:
عليك بشرب الدواء.
فان هذا الكلام لا يدل الا على اصل شرب الدواء، من دون تعرض لزمانه او مقداره او كيفيته.
وقد يكون غرضه بيان خصوصية معينة، كما اذا قال:
لا بد لك من شرب الدواء في الساعة كذا.
او قال:
لا بد لك من شرب الدواء بعد الاصطلاح.
او قال المولى لعبده:
اكرم زيدا ان جاءك.
فان الغرض في جميع هذه الموارد تعلق الحكم بحصة خاصة من الطبيعة، لا بالطبيعة المطلقة.
ثم ذكر لتوضيح هذا المبنى عدة امور:
الامر الاول
لا فرق في افادة التخصيص بين المفاهيم الكلية، سواء كانت من قبيل الجواهر، ام الاعراض، ام الامور الاعتبارية كالملكية والزوجية، بل حتى الامور الممتنعة، كشريك الباري واجتماع الضدين.
وذلك لان الحروف انما تحدث التخصيص في نفس المفهوم، لا في وجوده الخارجي.
ومن هنا، يمكن لحاظ المفاهيم الممتنعة ايضا في حصص ذهنية متعددة، وان كان وجودها الخارجي محالا، لان مورد التخصيص هو المفهوم لا الوجود.
الامر الثاني
المعاني الحرفية ليست مستقلة في افادة المعنى، بل لا تتحقق الا في ضمن غيرها، اعني الاسماء التي لها مفاهيم مستقلة.
فلفظ “في” مثلا لا يفيد معنى تاما بنفسه، ولكنه في قولنا: زيد في الدار، يفيد معنى الظرفية والمكانية.
الامر الثالث
اذا كانت الجملة المشتملة على هذه الحصة الخاصة مطابقة للواقع كانت صادقة، والا كانت كاذبة.
ففي قولنا: زيد في الدار، يفيد حرف “في” حصة خاصة من نسبة الظرفية، فان كان زيد في الدار واقعا صدقت الجملة، والا كذبت.
الامر الرابع
وان كانت المعاني الحرفية غير مستقلة مفهوما، الا انها قد تكون مستقلة من حيث غرض المتكلم.
فلو كان المخاطب يعلم بسفرك، ولكنه يجهل مبدأه ومنتهاه، فاذا قلت:
سرت من البصرة الى الكوفة.
كان المقصود الاصلي افادة معنى “من” و”الى”، ورفع جهله بالمبدأ والمنتهى، وان كانت هاتان الدلالتان غير مستقلتين من حيث المفهوم.
الامر الخامس
وان كانت الحروف في الغالب ترد على المعاني الكلية، فتخصصها وتقيدها، الا انها قد تدخل ايضا على الجزئيات، لان الجزئي، وان كان جزئيا بحسب ذاته، الا انه يقبل التقييد بلحاظ الازمنة والامكنة والاحوال المختلفة، فتتعلق به الحروف ايضا.
النتيجة
ثم انتهى الى ان وضع الحروف من قبيل الوضع العام والموضوع له الخاص.
فالواضع حين الوضع يتصور المعنى الكلي، ولكنه لا يضع اللفظ لذلك المفهوم الكلي، بل يضعه للمصاديق الخاصة منه.
والجواب: قد تقدم فيما سبق ان احتياج المعنى الى محل، سواء في الخارج ام في الذهن، لا يوجب انقلاب المعنى الكلي الى الجزئي، لان هذا الاحتياج شرط في تحقق الاستعمال، لا انه داخل في حقيقة المعنى.
فالمتعلق انما هو شرط لتحقق الاستعمال، لا جزء للموضوع له، فلا يوجب ذلك جزئية المعنى الحرفي.
وحاصل مرامه ان الموضوع له خاص، لعدم وجود جامع حقيقي بين مصاديق المعاني الحرفية.
فالواضع حين الوضع لا يلاحظ الا عنوان التخصيص الكلي، من دون التفات الى الافراد الجزئية.
فان كان التخصيص راجعا الى المكان وضع لفظ “في”، وان كان راجعا الى الزمان وضع لفظ “متى”، وان كان راجعا الى الابتداء وضع لفظ “من”.
فالتصور حين الوضع كلي، ولكن الموضوع له خاص، لان الظرفية والابتدائية ونحوهما ليست بينها جهة جامعة حقيقية.
خلاصة الكلام
فالاسماء موضوعة للمعاني الكلية المستقلة.
والحروف موضوعة لتقييد تلك المعاني وتخصيصها.
والمعاني الحرفية لا تستقل بالمفهومية، بل تتحقق في ضمن غيرها.
وفي القضايا الخبرية يكون الصدق والكذب تابعين لمطابقة هذه النسب للواقع.
وقد يكون الغرض الاصلي للمتكلم افادة نفس المعنى الحرفي، كما في “من” و”الى”.
وحاصل هذا المبنى ان وضع الحروف من قبيل الوضع العام والموضوع له الخاص، غير ان الاشكالات المتقدمة على هذا المسلك قد اتضحت بما سبق، فلا حاجة الى اعادتها.
















ثبت دیدگاه