فقه – مباحث طهارت – جلسه 94
ذكر السيد رحمه الله في مسألة الماء المسبوق بالقلة الذي لاقى النجاسة مع الجهل بتقدم الكرية او الملاقاة وتأخرهما ثلاثة فروع، وقد تقدم البحث عنها جميعا. والكلام اليوم في الفرع الثالث، وهو ما اذا كان تاريخ الملاقاة معلوما، وقد حكم فيه السيد بالنجاسة.
ونبين اليوم الوجه الذي افاده الشيخ الانصاري رحمه الله، حيث ذكر ان تاريخ احد الحادثين اذا كان معلوما، امتنع جريان الاصل في ذلك الطرف.
وفي المقام تاريخ الملاقاة معلوم، فلا يجري استصحاب عدم الملاقاة الى زمان الكرية، فيبقى استصحاب عدم الكرية الى زمان الملاقاة بلا معارض، ويقتضي الحكم بنجاسة الماء.
وكذلك المحقق النائيني رحمه الله، كما تقدم، الحق صورة الجهل بتاريخ الحادثين بصورة العلم بتاريخ الملاقاة، فحكم فيهما بالنجاسة، ولم يحكم بالطهارة الا في صورة العلم بتاريخ الكرية.
ووجه هذا الالحاق انه ذكر في مباحثه الاصولية انه وان كان الاستصحاب جاريا في مجهول التاريخ، الا ان احد الاصلين في المقام لا يترتب عليه اثر شرعي.
وبيانه:
ان استصحاب عدم الكرية الى زمان الملاقاة يثبت نجاسة الماء شرعا، وهو واضح.
واما استصحاب عدم الملاقاة الى زمان الكرية، فلا اثر له في نفسه، الا بان يضم اليه وقوع الملاقاة بعد الكرية، ومن دون هذه الضميمة لا يترتب عليه اثر.
فلا يكون هذا الاصل جاريا في نفسه، ويبقى استصحاب عدم الكرية الى زمان الملاقاة بلا معارض، فيحكم بالنجاسة.
وقد تقدم منا الجواب عن ذلك مفصلا، بما اسسناه من القاعدة في باب طهارة الماء واعتصامه.
ويمكن ان يذكر لوجه المحقق النائيني وجه آخر، وهو القاعدة التي انفرد بذكرها، وحاصلها: انه لو سلمنا جريان الاصلين وتساقطهما بالمعارضة، لم يكن المرجع قاعدة الطهارة، لانه يعتبر في الحكم بالاعتصام احراز الكرية، بخلاف ما اخترناه من ان الاعتصام والطهارة ثابتان للماء بنفسه، الى ان يحرز التغير او يحرز كونه ماء قليلا راكدا.
وبيانه: انه اذا تعلق الاستثناء بعنوان وجودي، وكان المستثنى منه حكما الزاميا او ملازما له، فهم العرف ان الخروج عن الحكم العام متوقف على احراز ذلك العنوان الوجودي، فكأن الامام عليه السلام قال:
كل ماء لاقى النجاسة فهو نجس، الا اذا احرزت كريته.
ومن الواضح ان قاعدة الطهارة لا تثبت الكرية بوجه.
وقد تقدم منا ان هذا المبنى غير تام، لان احراز العنوان الوجودي للخروج عن الحكم الالزامي غير معتبر، كما فصلناه في المباحث السابقة، فراجع.
واما الوجه الاول، فهو ايضا غير تام، لان الاثر في باب الاستصحاب يكفي فيه نفي النجاسة، فيتحقق التعارض بين الاستصحابين في مجهول التاريخ، ثم يرجع الى القاعدة التي ذكرناها، ويحكم بالطهارة.
واما اصل التفصيل الذي ذكره السيد بين مجهول التاريخ، والعلم بتاريخ الكرية، والعلم بتاريخ الملاقاة، فقد انكره بعض الاعاظم، كما انكر تفصيل المحقق النائيني بين مجهول التاريخ، والعلم بتاريخ الملاقاة، والعلم بتاريخ الكرية.
وتوضيح ذلك:
ان المحقق الخوئي ذكر انه اذا انكرنا من الاصل جريان الاستصحاب في مجهول التاريخ، بدعوى عدم احراز اتصال زمان اليقين بالشك، وان المورد من الشبهة المصداقية لدليل حجية الاستصحاب، كما افاده صاحب الكفاية، فاما ان يقال بعدم جريان الاستصحاب رأسا، واما ان يقال بجريانه مع سقوطه بالمعارضة، والثاني هو المختار.
وعليه، يحكم بطهارة الماء، لانه مشكوك النجاسة، فيشمله الاصل وعموم قوله عليه السلام: كل شيء نظيف.
وهذا بعينه يجري فيما اذا علم بتاريخ الكرية وجهل بتاريخ الملاقاة، او بالعكس، بناء على جريان الاصل في معلوم التاريخ ومجهوله.
وذلك لان عدم جريان الاصل في معلوم التاريخ انما هو بلحاظ عمود الزمان، لكونه معلوما، واما بالقياس الى الحادث الآخر الذي هو موضوع الاثر الشرعي، فالشك باق، فلا مانع من جريان الاصل فيه.
فينتهي الامر الى تعارض الاصلين وتساقطهما، ويكون المرجع قاعدة الطهارة.
الصورة الثانية
واما بناء على عدم جريان الاستصحاب في مجهول التاريخ، فاذا كان تاريخ الكرية معلوما وتاريخ الملاقاة مجهولا، جرى استصحاب عدم الملاقاة الى زمان الكرية بلا معارض، وكان مقتضاه طهارة الماء.
واما اذا كان تاريخ الملاقاة معلوما وتاريخ الكرية مجهولا، جرى استصحاب عدم الكرية الى زمان الملاقاة بلا معارض، وكان مقتضاه نجاسة الماء، كما اعتمد عليه السيد صاحب العروة.
واما من حكم بالطهارة حتى في هذه الصورة الثالثة، كما اختاره بعض المحشين على العروة، فقد ابتنى حكمه على عدم التفصيل في جريان الاستصحاب بين مجهول التاريخ وبين ما علم فيه تاريخ احد الحادثين.
وقد اختار المحقق الخوئي هذا الوجه، وحكم بالطهارة في جميع الصور الثلاث.
ثم ذكر رحمه الله ان جميع ما تقدم مبني على الغض عما ذكره في مبحث خيار العيب.
















ثبت دیدگاه