فقه – مباحث طهارت – جلسه 91
مسألة: قال في العروه: إذا كان الماء مسبوقا بالقلة ثم بلغ حد الكر، وعلم بملاقاته للنجاسة، ولم يعلم السابق من الكرية والملاقاة…
فان كان تاريخ كل منهما مجهولا، او كان تاريخ الكرية معلوما، حكم بطهارته، وان كان الاحتياط الاجتناب عنه. وان كان تاريخ الملاقاة معلوما، حكم بنجاسته.
فنفرض اولا ان تاريخ الكرية والملاقاة كلاهما مجهول، لننظر في جريان استصحاب عدم الكرية واستصحاب عدم الملاقاة.
اما استصحاب عدم الكرية، فوجهه ان موضوع عموم انفعال الماء بالملاقاة مركب من امرين:
الاول: ملاقاة الماء للنجاسة، وهي ثابتة بالوجدان.
الثاني: عدم كرية الماء، وهو ثابت بالاستصحاب؛ لان هذا الماء كان سابقا قليلا باليقين.
فبضم الوجدان الى الاستصحاب يثبت موضوع النجاسة شرعا.
واما استصحاب عدم الملاقاة الى زمان تحقق الكرية، فقد يقال بجريانه، بدعوى انه اذا انضم الى الوجدان كان نافيا للانفعال.
وذلك لان الانفعال انما يترتب على الملاقاة الواقعة حال عدم الكرية.
وبيانه: ان للماء حالتين:
الاولى: ما قبل تحقق الكرية.
والثانية: ما بعدها.
فاستصحاب عدم الملاقاة الى زمان الكرية يثبت عدم الملاقاة في الحالة الاولى.
واما الملاقاة في الحالة الثانية، فهي وان كانت محتملة، الا انها غير مؤثرة؛ لفرض كون الماء كرا حينئذ.
فبضم الوجدان في احد جزئي الموضوع، مع التعبد بعدم الجزء الآخر في الحالة الاولى، ينتفي موضوع الانفعال.
ولكن ذهب بعض الاعاظم الى عدم جريان استصحاب عدم الملاقاة الى زمان الكرية، وذكروا لذلك وجهين.
الوجه الاول
اذا كان الحكم مترتبا على موضوع مركب من جزأين، وكان احد الجزأين معلوم التحقق سابقا، وشك في بقائه الى زمان تحقق الجزء الآخر، جرى استصحاب بقائه الى ذلك الزمان، فيحرز به تمام الموضوع، اذا كان الموضوع مأخوذا بنحو التركيب، لا التقييد، كما تقدم تحقيقه.
واما استصحاب عدم تحقق الجزء الآخر الى زمان ارتفاع الجزء الاول، فلا يجري، فلا يصلح لمعارضة الاستصحاب الاول.
وذلك لوجهين:
الاول: النقض
فانه لو جرى هذا الاستصحاب لعارض استصحاب بقاء الجزء الاول، للزم نظيره في رواية زرارة، فيعارض استصحاب بقاء الطهارة الى زمان الصلاة باستصحاب عدم وقوع الصلاة في زمان الطهارة، مع انهم لا يلتزمون بذلك.
الثاني: الحل
لان المفروض ان الحكم مترتب على ذات الجزأين، لا على احدهما مقيدا بالآخر.
فاذا ثبت احد الجزأين بالاستصحاب الى زمان معين، ووجد الجزء الآخر فيه بالوجدان، تم الموضوع.
واما استصحاب عدم الجزء الآخر في زمان الجزء الاول، فلا اثر شرعيا له.
وبيانه:
ان اريد استصحاب عدم ذات الجزء الآخر، فهو غير معقول؛ للعلم بتحققه.
وان اريد استصحاب عدمه المقيد، اي عدم وجوده في زمان الجزء الاول، فهذا ليس موضوعا للحكم الشرعي؛ لان الموضوع مأخوذ بنحو التركيب لا التقييد.
وعليه، يجري استصحاب عدم الكرية الى زمان الملاقاة، ويثبت به موضوع النجاسة المركب من الملاقاة وعدم الكرية؛ لثبوت الاول بالوجدان والثاني بالاستصحاب.
ولا يعارضه استصحاب عدم الملاقاة الى زمان الكرية.
ولكن كلا الوجهين، النقضي والحلي، لا يخلو من تأمل، وسيأتي الكلام فيه ان شاء الله.
الوجه الثاني
ويمكن الاستدلال على عدم جريان استصحاب عدم الملاقاة الى زمان الكرية بوجه آخر، يتوقف على مقدمتين.
الاولى – وهي المختصة بالمقام – انا نملك دليلين:
احدهما: عموم انفعال الماء بالملاقاة.
وثانيهما: دليل اعتصام الماء الكر.
وموضوع الدليل الاول هو الماء الملاقي للنجاسة، وظاهره يشمل الكر ايضا، الا انه خصص بالدليل الثاني.
وهذا التخصيص يتصور على وجهين:
الاول: ان يرجع قيد عدم الكرية الى نفس الماء.
فيكون موضوع الانفعال مركبا من:
ملاقاة الماء للنجاسة.
وعدم كرية الماء.
الثاني: ان يرجع القيد الى نفس الملاقاة، فيكون الموضوع ملاقاة الماء غير الكر للنجاسة.
وعليه يكون الموضوع مركبا من:
تحقق الملاقاة.
وكونها ملاقاة لماء غير كر.
فعلى الاول، قد يتوهم تعارض استصحاب عدم الملاقاة حال القلة مع استصحاب عدم الكرية الى زمان الملاقاة.
واما على الثاني، فلا يجري استصحاب عدم الملاقاة حال القلة من اصله؛ لان المقصود نفي موضوع الانفعال، وموضوعه مركب من الملاقاة – وهي ثابتة وجدانا – ومن كونها واقعة على ماء غير كر.
واما اثبات ان الملاقاة وقعت حال الكرية، فلا يثبت باستصحاب عدم الملاقاة حال القلة.
فلا يترتب على هذا الاستصحاب اثر شرعي، فلا يكون جاريا.
















ثبت دیدگاه