فقه – مباحث طهارت – جلسه 9
وأمّا ما ذهب إليه ابن ابی عقیل رحمه الله من التفصيل، فحاصله أنّه فصّل بين واجد الماء المطلق وفاقده.
فذهب إلى أنّه مع وجدان الماء المطلق لا يجوز الوضوء بالماء المضاف، وأمّا مع فقده فيجب الوضوء بالماء المضاف، ولا تصل النوبة إلى التيمّم عند الاضطرار إليه.
واستدلّ لذلك بما رواه عبد الله بن المغيرة عن بعض الصادقين عليهم السلام، أنّه سئل عمّن لم يجد الماء ووجد اللبن، فقال عليه السلام: لا يتوضّأ به، فإنّما الطهور الماء أو التيمّم. ثم جاء في ذيل الخبر:
«فإنّي سمعتُ حريزاً يذكر في حديثٍ أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله توضّأ بنبيذٍ ولم يقدر على الماء.»
إلّا أنّ الاستدلال بهذه الرواية غير تامّ عندنا.
وذلك لأنّه يحتمل أن يكون المراد من النبيذ ما حصل من نقع مقدارٍ كثيرٍ من التمر في الماء بحيث خرج عن صدق الماء المطلق وصار ماءً مضافاً، وإن لم يبلغ حدّ الإسكار. نعم، قد يدّعي بعض الأعلام أنّ مثل هذا النبيذ مسكرٌ غالباً، فلا يكون صالحاً للوضوء على كلّ حال، إلّا أنّه لا موجب لالتزام هذا الفرض، بل يكفي فرض صدق عنوان النبيذ مع عدم الإسكار، مع كونه من أفراد الماء المضاف.
وعلى هذا الاحتمال يتمّ الاستدلال بالرواية في الجملة.
ويحتمل أيضاً أن يكون المراد ماءً مطلقاً ألقيت فيه حبّات يسيرة من التمر، حفظاً له عن الفساد، من غير أن يخرج بذلك عن إطلاق اسم الماء، فيبقى ماءً مطلقاً حقيقةً، فلا دلالة للرواية حينئذٍ على جواز الوضوء بالماء المضاف.
ومع هذا الاحتمال يبطل الاستدلال؛ إذ اذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال
على أنّ ذيل الرواية أيضاً غير واضح الحال، فإنّه غير معلوم أنّ قوله: «فإنّي سمعتُ حريزاً…» من كلام الإمام عليه السلام أو من تتمّة كلام عبد الله بن المغيرة نفسه؛ فإنّ ظاهر العبارة أنّه حكايةٌ من الراوي، لا من الإمام، فيضعف الاعتماد عليها من هذه الجهة أيضاً.
مضافاً إلى أنّ عبد الله بن المغيرة عبّر بقوله: «عن بعض الصادقين»، وهو تعبيرٌ بالجمع لا بالتثنية، فلا موجب لحمله على الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام، بل يحتمل إرادة بعض الصالحين أو أهل العلم، فلا تكون الرواية حينئذٍ مسندةً إلى المعصوم عليه السلام، ومن الواضح أنّ كلام غير المعصوم لا يكون حجّةً في نفسه.
ولو سلّمنا أنّ ذيل الرواية من كلام الإمام عليه السلام، فلا محيص عن حمله على التقيّة؛ إذ لا معنى لاستناد الإمام عليه السلام في مقام بيان الحكم الشرعي إلى نقل حريز، مع كونه هو المرجع في الأحكام ومعدن التشريع.
ويؤيّد ذلك أنّ الإمام عليه السلام قد حكم في صدر الرواية بعدم جواز الوضوء باللبن، فبالأولى لا يرضى بالوضوء بالنبيذ، مع ظهور النبيذ ـ على بعض فروضه ـ في النجاسة أو في عدم صلاحيته للطهارة. فيكون نقل حديث حريز من باب موافقة العامّة ظاهراً؛ إذ قد ذهب جماعةٌ منهم إلى جواز الوضوء بالنبيذ.
فالحاصل: أنّ هذه الرواية لا تنهض حجّةً لا من جهة السند، ولا من جهة الدلالة، ولا من جهة المضمون، فلا تصلح لمعارضة الأدلّة القطعيّة الدالّة على اعتبار الماء المطلق في رفع الحدث، ولا لإثبات جواز الوضوء بالماء المضاف أو بالنبيذ، سواء استند في ذلك إلى نفس الرواية أو إلى كلام عبد الله بن المغيرة.
والله العالم.
















ثبت دیدگاه