فقه – مباحث طهارت – جلسه 64
مسألة: ومنها خبر ابي مريم الانصاري، الدال على ان الامام عليه السلام توضأ بماء الدلو مع رؤية الراوي فيه قطعة من العذرة.
قال: كنت مع ابي عبد الله عليه السلام في حائط له، فحضرت الصلاة، فنزح دلوا للوضوء من ركي له، فخرج عليه قطعة من عذرة يابسة، فاكفأ رأسه وتوضأ بالباقي.
اي بباقي الماء الذي في الدلو.
وهذه الرواية من احسن ما استدل به القائلون بعدم انفعال الماء القليل بالملاقاة.
وقد ذكروا في الجواب عنها وجوها:
منها: ما ذكره الشيخ من حمل الدلو على ما كان قدر كر، وهو بعيد جدا.
ومنها: حمل العذرة على عذرة ما يؤكل لحمه، وهو ايضا غير تام، لان المتفاهم عرفا من لفظ العذرة انما هو عذرة الانسان او الكلب او السنور ونحوها مما له الرائحة الكريهة، واما عذرة الحيوان المأكول فلا يطلق عليها العذرة، بل يقال لها الروث.
ومنها: ان المراد بقوله: “وتوضأ بالباقي” هو باقي ماء البئر لا باقي ماء الدلو.
وفيه: ان ظاهر الرواية انه عليه السلام امال الدلو ليطرح قطعة العذرة ثم توضأ بما بقي فيه من الماء، لا انه اراق جميع ماء الدلو ثم استأنف الاخذ من البئر، وإلا لكان المناسب التعبير باراقة جميع ماء الدلو.
ومنها: حمل الرواية على التقية.
وعلى كل حال، فالرواية معرض عنها عند الاصحاب، مضافا الى عدم تماميتها سندا.
فتحصل: ان الروايات التي استدل بها على عدم انفعال الماء القليل، اما انها لا تدل على المدعى، او تدل عليه ولكنها مقيدة بادلة الانفعال، او انها غير تامة سندا، فلا يبقى في قبال اخبار الانفعال معارض يعتد به.
ولو سلمنا – كما في روايتي زرارة وابي مريم الانصاري – تمامية بعض هذه الروايات سندا ودلالة، بحيث يقع التعارض بين اخبار الانفعال وعدم الانفعال، فلا بد من النظر في مقتضى هذا التعارض.
ويمكن تصوير ذلك بوجوه:
الوجه الاول: الجمع العرفي.
بان تحمل النواهي الواردة في الوضوء والشرب من الماء القليل الملاقي للنجاسة على الكراهة، لا على النجاسة الالزامية، وتحمل اخبار الكر على بيان المقدار الذي لا يتغير غالبا بالملاقاة.
وفيه: ان هذا الجمع غير عرفي، لان حمل اخبار الكر على مجرد بيان امر خارجي، وهو ان الكر غالبا لا يتغير، بعيد عن ظاهرها.
الوجه الثاني: كون التعارض بين الحجة واللاحجة.
بان يقال: ان اخبار عدم الانفعال اخبار آحاد، وهي معارضة للسنة القطعية، لان اخبار الانفعال مستفيضة بل لها تواتر اجمالي، والخبر الواحد المخالف للسنة القطعية ساقط عن الحجية بمقتضى ادلتها.
نعم، يتوقف ذلك على عدم امكان الجمع العرفي، وإلا لم تكن تلك الاخبار مخالفة للسنة، بل كانت قرينة عليها.
كما يتوقف على عدم صلاحية اخبار عدم الانفعال للقرينية ولو بالنسبة الى بعض اخبار الانفعال، وإلا لم يحرز عنوان مخالفة السنة القطعية.
الوجه الثالث: الحمل على التقية.
بدعوى موافقة اخبار عدم الانفعال للعامة.
وفيه: ان المعروف بينهم في المسألة قولان، على ان حمل مثل رواية ابي مريم على التقية بعيد جدا، لان التقية لا تقتضي عادة استعمال ماء فيه عذرة.
الوجه الرابع: الترجيح بموافقة الكتاب.
بناء على استحكام التعارض وتمامية مقتضي الحجية في الطائفتين، فتقدم اخبار عدم الانفعال، لموافقتها الكتاب الدال على طهورية الماء.
الوجه الخامس: السقوط بالاطمئنان الشخصي.
فانه وان فرض صلاحية اخبار عدم الانفعال للقرينية، إلا ان كل واحد من اخبار الانفعال يوجب كشفا وجدانيا ناقصا عن بطلان القول بعدم الانفعال، ومع كثرتها تنضم هذه الكشوف بعضها الى بعض حتى يحصل الاطمئنان الشخصي، بل ربما القطع، بانفعال الماء القليل، ومعه تسقط اخبار عدم الانفعال عن الاعتبار، وان كانت صالحة للقرينية في نفسها.
الوجه السادس: التساقط والرجوع الى الاصول العملية.
فيرجع بعد التساقط الى الاصول المؤمنة، كاصالة الطهارة والاستصحاب.
وفيه: انه مبني على الغض عن العمومات الفوقانية الدالة على انفعال الاشياء بالملاقاة.
الوجه السابع: التساقط والرجوع الى عمومات الانفعال.
وهو مبني على سقوط جميع ادلة عدم الانفعال بالتعارض.
ولكن ادلتها على قسمين:
احدهما: ما يدل بظهوره على اعتصام الماء القليل.
وثانيهما: ما يدل عليه باطلاقه.
فالقسم الثاني لا يسقط بعمومات الانفعال، لان العام لا يعارض مخصصه.
نعم، توجد مطلقات اخرى تدل على انفعال الماء الراكد، وهي تعارض مطلقات الاعتصام، فلا يبقى مرجع، إلا على القول بانقلاب النسبة.
وتوضيح انقلاب النسبة:
ان الروايات الدالة على انفعال الماء الراكد بالملاقاة مطلقا، وان كانت في بادئ النظر متباينة مع مطلقات الاعتصام، إلا انها بعد خروج الكر بالتخصيص، لقيام الدليل القطعي على اعتصامه، تنقلب النسبة بينها وبين مطلقات الاعتصام الى العموم والخصوص المطلق، فتكون كسائر اخبار انفعال الماء القليل، ومع فرض سقوطها بالمعارضة تبقى مطلقات الاعتصام بلا معارض، فيتعين الرجوع اليها.
الوجه الاخير: التحليل على اساس مراتب الادلة.
وهو ان الادلة على اربع مراتب:
الاولى: مطلقات انفعال الاشياء بالملاقاة، الشاملة للماء باطلاقها.
الثانية: مطلقات عدم انفعال الماء.
الثالثة: الروايات الظاهرة في انفعال الماء القليل.
الرابعة: الروايات الصريحة في عدم انفعال الماء القليل، كرواية ابي مريم.
فعلى هذا يقع التعارض اولا بين الصريحين، وبعد تساقطهما يرجع الى الروايات الظاهرة في انفعال الماء القليل بالملاقاة. فافهم.
ثم ان هذه الوجوه ترشد الى ضابطة كلية في علاج التعارض.
فليس الصحيح ان تجمع جميع الروايات الموافقة والمخالفة ابتداء وتجعل طائفتين متقابلتين، بل اللازم ملاحظة مراتب الظهور والقرينية في كل رواية، وتمييز ما يصلح للقرينية عما لا يصلح، وذلك يحتاج الى مزيد تدبر في فهم النصوص.
ومن هنا ترى الفقهاء يرجعون بعد تساقط الخاصين الى العام الفوقاني، لان العام لا يمكن ان يعارض الخاص، إذ الخاص صالح للقرينية عليه.
فالميزان ان تعرض الروايات المتساوية في الظهور بعضها على بعض، واما ما كان اقوى ظهورا فيكون قرينة على غيره، ولا يعقل ان يعارض ذو القرينة قرينته.
وعليه، فالروايات الواقعة في المرتبة الثانية، وان كانت داخلة في الطائفة الاولى، إلا انها لا تعارض روايات الطائفة الثانية، لانها بحسب الفرض صالحة للقرينية عليها، وذو القرينة لا يعارض قرينته.
فبعد الفراغ عن التعارض تكون هذه الروايات هي المرجع.
وهذا هو بعينه ما يذكره الفقهاء في الرجوع الى العام الفوقاني بعد تساقط الخاصين.
فلو دل دليل على ان الخمر طاهر، ودل آخر على ان الخمر نجس، ودل ثالث على وجوب غسل الثوب الذي اصابه الخمر، كان التعارض بين الخاصين، وبعد تساقطهما يكون المرجع هو الدليل الثالث.
















ثبت دیدگاه