فقه – مباحث طهارت – جلسه 6
ثم إن حاصل ما تقدم: أن الماء القليل ينفعل بملاقاة النجاسة، ولا فرق في ذلك بين تساوي سطوحه واختلافها، ما لم يكن للماء قوة دفع وجريان. فلو لاقت النجاسة أسفل الماء، تنجس أعلاه أيضا، كما لو دخلت إبرة نجسة من أسفل القربة أو المزادة، فإن جميع الماء ينجس بذلك. وكذا لو كان الكوز مثقوبا فاتصل ماؤه من أسفله بأرض نجسة، فإن الماء الذي في أعلاه ينجس أيضا.
وأما إذا كان للماء قوة ودفع وجريان، فلا ينجس باقي أجزائه بملاقاة بعضه للنجاسة، سواء اتحد السطح أو اختلف، بل لا ينجس الماء الأسفل أيضا بملاقاة النجاسة للماء الخارج من الفوارة ونحوها.
فالمناط في عدم الانفعال إنما هو وجود قوة الدفع والجريان، وإن كان الجريان من الأسفل إلى الأعلى، لا مجرد العلو وارتفاع سطح الماء، فإن العلو بنفسه لا أثر له في الاعتصام، وإنما الأثر للقوة المانعة عن السراية.
وذلك لأن السبب الحقيقي في التنجس ليس مجرد الملاقاة، بل الملاقاة مع السراية، فلو تحقق التماس ولم تتحقق السراية، لم ير العرف مجرد الملاقاة موجبا للتنجس، كما إذا كان الدم في اليد وكان الماء فوق العضد، فإن أحدا لا يحكم بتنجس ذلك الماء.
وحينئذ، فكما أن المدار على السراية، فلا فرق بين ورود النجاسة على الماء وورود الماء على النجاسة، إذ لا يرى العرف بين الصورتين فرقا أصلا. ومن هنا يظهر ضعف ما نسب إلى بعض الأعلام من اختصاص أدلة انفعال الماء القليل بصورة ورود النجاسة على الماء، بدعوى أن مورد النصوص ذلك، فإن ذكر المورد إنما هو من باب المثال والغالب، لا لخصوصية فيه، والعرف يلغي هذه الخصوصية قطعا، ويفهم اتحاد الحكم في الفرضين.
ثم إنه لا خلاف ظاهرا بين الخاصة والعامة في أن الماء، قليلا كان أو كثيرا، جاريا أو بئرا أو غيرهما، إذا تغير أحد أوصافه الثلاثة، أعني اللون أو الطعم أو الريح، بسبب النجاسة، حكم بنجاسته.
نعم، قد نسب إلى صاحب المدارك التشكيك في خصوص تغير اللون، بدعوى عدم ورود النص الصحيح به، إلا أن هذه النسبة في غير محلها.
فإنه صرح في المدارك بقوله: «الأولى نجاسة الماء الجاري باستيلاء النجاسة على أحد أوصافه، والمراد بها اللون أو الطعم أو الرائحة، لا مطلق الصفات كالحرارة والبرودة، وهذا مذهب علمائنا كافة».
وهو كما ترى صريح في خلاف ما نسب إليه.
وكيف كان، فالعمدة في المقام الأخبار المستفيضة، بل المتواترة معنى، الدالة على انفعال الماء بتغير أحد أوصافه الثلاثة.
منها النبوي المشهور: «خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه».
ومنها صحيحة حريز عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «كلما غلب الماء ريح الجيفة فتوضأ من الماء واشرب، وإذا تغير الماء وتغير الطعم فلا تتوضأ منه ولا تشرب».
فإنها ظاهرة في أن تغير الماء بالريح أو بالطعم موجب للحكم بنجاسته، إذ مفهوم صدرها أن الماء ما دام غالبا على ريح الجيفة جاز الوضوء منه والشرب، فإذا لم يغلب لم يجز، ولا واسطة بين الأمرين. ثم صرح عليه السلام بعد ذلك بتغير الطعم أيضا.
على أن لفظ الماء فيها مطلق، فيشمل جميع أقسام المياه، من الكر والجاري والبئر وغيرها.
ومنها صحيحة محمد بن إسماعيل، فيما كتب إلى أبي الحسن الرضا عليه السلام، فأجاب: «ماء البئر واسع لا يفسده شيء إلا أن يتغير ريحه أو طعمه».
كما وردت أخبار اقتصر فيها على ذكر اللون، أو اللون مع غيره، كخبر علي بن فضيل قال: «سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الحياض يبال فيها، فقال: لا بأس إذا غلب لون الماء لون البول».
فإن مفهومه أن غلبة لون البول على لون الماء توجب انفعاله.
وكذلك ما ورد في بعض الأخبار من النهي عن الوضوء بالماء إذا تغير، وذكر الدم الجاري فيه، فإن تشبيه الدم بالبول ظاهر في إرادة تغير اللون، إذ الدم ليس مما يغلب بريحه غالبا، وإنما يغلب بلونه.
ومن جميع ذلك يظهر أن حمل الأخبار على اختصاص التغير بالطعم والريح دون اللون مما لا شاهد له، بل النصوص صريحة في اعتبار اللون أيضا.
فتحصل أن مقتضى مجموع الأخبار أن كل ماء، على اختلاف أقسامه، إذا تغير أحد أوصافه الثلاثة، أعني اللون أو الطعم أو الريح، بسبب النجاسة، حكم بنجاسته.
وأما لو تغير بغير هذه الأوصاف، كثقله أو خفته أو حرارته أو برودته، ففي الحكم بانفعاله إشكال، لعدم الدليل عليه.
نعم، قد ورد في بعض الأخبار التعبير بمطلق التغير، كالأخبار الواردة في ماء البئر: «لا يفسده شيء إلا أن يتغير».
إلا أن الظاهر حملها على ما فصل في سائر الأخبار، جمعا بين الأدلة، مضافا إلى أن العرف لا يفهم من إطلاق التغير إلا التغير في الأوصاف الظاهرة التي بها يعرف تغير الماء، وهي اللون والطعم والريح، فلا يشمل غيرها.
فتأمل جيدا.
















ثبت دیدگاه