فقه – مباحث طهارت – جلسه 31
الوجه الثامن:
يمكن ان يقال في الفرض المذكور: ان صب الدم في الماء بعد صب الصبغ، وان قلنا ان شدة حمرة الدم غير محسوسة، لكنه لا ريب يوجب زيادة حمرة الماء؛ لانا اذا فرضنا ان مقدار الدم الملقى كاف في نفسه لاحداث الحمرة، فلا محيص من الالتزام بانه بعد وجود الصبغ ايضا يوجب زيادة الحمرة. فالتغير الواقعي الفعلي حاصل لا محالة، وان لم يظهر للحس، بل قد يقال بتحققه حسا ايضا مع مزيد تأمل. فالتقدير انما هو بلحاظ ظهور التغير للحس، لا بلحاظ اصل وجوده في الخارج.
وعليه يتمسك باطلاق الادلة الدالة على نجاسة الماء بالتغير، فان ظاهرها يشمل كل تغير فعلي. نعم، انما خرج عنها ما لا يدرك بالحس، اما لانصرافها بحسب الارتكاز العرفي الى التغير المحسوس، حيث يفهم العرف ان التغير الواقعي الخفي لا يوجب ارتفاع الطهارة، واما لاجل الادلة الدالة على عدم انفعال الكر بمجرد الملاقاة، فان كل ملاقاة تستلزم بحسب الدقة نوع تغير غير محسوس.
ولكن هذين الوجهين لا يجريان في المقام؛ اذ لا ارتكاز يقتضي عدم انفعال الماء المصبوغ مع تحقق هذا النحو من التغير، كما ان اخبار عدم الانفعال بمجرد الملاقاة ناظرة الى صورة عدم التغير، لا الى مثل المقام الذي تحقق فيه التغير واقعا وان خفي اثره.
وبعبارة اخرى: التغير تارة يكون خفيا بذاته، بمعنى انه من سنخ ما لا يقع تحت الحس اصلا، واخرى يكون خفيا لعارض يمنع من ظهوره، كما في المقام. والقدر المتيقن الخارج عن اطلاق قوله:
خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شيء الا ما غير لونه او طعمه او ريحه
هو القسم الاول، دون الثاني، فيبقى محل الكلام داخلا تحت الاطلاق.
الوجه التاسع:
يمكن ان يقال: ان التغير في المقام ليس واقعيا فعليا فحسب، بل هو حسي فعلي ايضا.
وبيانه: ان اثر الصبغ في احمرار الماء ليس بمعنى انقلاب ذات الماء الى الحمرة، بل ان اجزاء الصبغ تنتشر في الماء، فيرى الماء احمر بسبب انتشار تلك الاجزاء. فاحمرار الماء في الحقيقة احمرار تلك الاجزاء المنتشرة فيه.
فاذا القي الدم بعد ذلك، انتشرت اجزاؤه ايضا في الماء، فصار في الماء حمرتان: حمرة ناشئة من اجزاء الصبغ، وحمرة ناشئة من اجزاء الدم، وكلتاهما موجودة ومحسوسة. فثبت ان الدم اوجب تغيرا محسوسا في الماء، لحدوث حمرة لم تكن موجودة من قبل.
نعم، قد لا يتميز للناظر اي مقدار من هذه الحمرة ناشئ من الدم واي مقدار منها ناشئ من الصبغ، ولكن عدم تميز الاثر غير عدم فعليته. والمعتبر في ترتب الحكم انما هو فعلية التغير ومحسوسته، لا تميز منشئه.
اذا تحقق ذلك ثبت الحكم بالنجاسة، وان تعذر تمييز جهة الاستناد.
ومن هنا يظهر فساد ما ربما يقال من استحالة تغير الماء المصبوغ بالدم، بدعوى استحالة اجتماع المثلين، اعني اجتماع حمرتين في محل واحد؛ فان حمرة الماء، سواء كانت من الصبغ ام من الدم، ليست قائمة بذات الماء، بل هي قائمة باجزاء المادة الحمراء المنتشرة فيه. فكل مادة حمراء تلقى في الماء ولم تستهلك تبقى حمرتها قائمة باجزائها الخاصة، وانما تجتمع تلك الاجزاء في اظهار اللون الواحد في الماء.
نعم، قد يناقش بان هذا التحليل الدقيق لا يدركه العرف، فان العرف اذا قال: احمر الماء، يتخيل ان ذات الماء قد احمرت، لا ان اجزاء حمراء انتشرت فيه. فتامل جيدا.
وكيف كان، فقد تقدم ان ظاهر اخبار الباب تعليق نجاسة الماء المعتصم على تحقق التغير الفعلي المحسوس، وان التغير التقديري لا يكفي في ترتب الحكم، الا في فرض وجود مانع يمنع من ظهور التغير للحس.
















ثبت دیدگاه