فقه – مباحث طهارت – جلسه 16
قد تقدم البحث في المائع الذي يشك في كونه مطلقا او مضافا. و انه اذا كان له حالة سابقة وكان الشك في بقائها، فقد تم الكلام فيه.
واما اذا لم يكن له حالة سابقة، او كانت له حالتان متعاقبتان ولم تعلم الحالة الاخيرة، فلا يجري فيه اصل موضوعي ولا حكمي، لا استصحاب الاطلاق ولا استصحاب الحكم، لعدم احراز الموضوع تعبدا.
ففي مثل هذا المائع المردد بين المطلق والمضاف، لا اصل يجري لا من جهة الموضوع ولا من جهة الحكم، فلا بد من ملاحظة اثاره.
والاثار المهمة هنا ثلاثة:
كونه مطهرا من الحدث ومطهرا من الخبث
وفي الكر عاصما عن الانفعال، بخلاف المضاف
فهل يجوز الوضوء به او رفع الخبث؟
الجواب: لا، قطعا؛ لان الوضوء متوقف على الماء المطلق، ومعه يستصحب بقاء الحدث بعد الوضوء به. وكذا في باب الخبث، فاننا نشك في حصول الطهارة، فيستصحب بقاء النجاسة.
فلا اشكال في عدم كونه رافعا للحدث ولا مزيلا للخبث.
واما من جهة الانفعال، فان كان الماء قليلا، فانه يتنجس بملاقاة النجاسة بلا خلاف، سواء كان مطلقا او مضافا.
وانما الاشكال فيما اذا كان هذا الماء المردد كرا ولاقى النجاسة، فهل يحكم بنجاسته او بطهارته؟
وقد وقع الخلاف في ذلك:
القول الاول: عدم التنجس
وهو ما اختاره السيد في «العروة» وجمع من المتاخرين.
القول الثاني: التنجس
وهو المنسوب الى الشيخ الانصاري.
واستدل القائلون بالطهارة:
بان الشك حاصل في طرو النجاسة، فيرجع الى استصحاب الطهارة او الى قاعدة الطهارة: «كل شيء طاهر حتى تعلم انه قذر».
فمع عدم العلم بالنجاسة يحكم بالطهارة.
الا ان ذلك بعد الفراغ عن عدم تمامية ادلة القائلين بالتنجس.
واما ادلة القائلين بالتنجس فهي عدة:
الدليل الاول: قاعدة المقتضي والمانع
وقد تمسك بها الشيخ الانصاري، وحاصلها:
ان ملاقاة النجس مقتض للتنجس، والكرية مانعة من تاثير هذا المقتضي.
وفي المقام نحرز وجود المقتضي وهو الملاقاة، ونشك في وجود المانع وهو الكرية، فيبنى على عدم المانع، فيثبت التنجس.
وفيه:ان هذه القاعدة ليست اصلا مستقلا لا شرعا ولا عقلائيا، ولم يثبت بناؤها عند المشهور، بل ما ورد من تطبيقاتها يرجع في الحقيقة الى الاصول العملية كاستصحاب العدم ونحوه، فلا يمكن الاعتماد عليها في المقام.
الدليل الثاني: التمسك بعمومات ادلة التنجيس
مثل قوله:«اغسل ثوبك من ابوال ما لا يؤكل لحمه»
و«كل ما لاقى نجسا فهو نجس»
وقد قيل: ان هذه العمومات تشمل ما نحن فيه، ومع عدم احراز الكرية يتمسك بالعام.
وفيه: ان المقام من قبيل الشبهة المصداقية للمخصص المنفصل، ومعه لا يجوز التمسك بالعام، فلا يتم هذا الاستدلال.
الدليل الثالث: ما افاده المحقق النائيني
وقد افاد، تبعا لبعض كلمات الشيخ الانصاري:
ان كل حكم علقه الشارع على عنوان وجودي، فلا بد من احراز ذلك العنوان.
كما في الرضا في «لا يحل مال امرئ الا عن طيب نفسه» ، التذكية في «الا ما ذكيتم»،
الكرية في «اذا بلغ الماء قدر كر لا ينجس»
وفي المقام ايضا، فان الحكم بعدم الانفعال موقوف على احراز عنوان الكرية او ما يقوم مقامه، ومع عدم احرازه لا يمكن الحكم بالعصمة، فيحكم بالتنجس.
















ثبت دیدگاه