اصول – مباحث الفاظ – جلسه 70
المسلك الثالث: دلالة الامر على الوجوب بالاطلاق ومقدمات الحكمة
وقد ذهب المحقق العراقي الى ان دلالة الامر على الوجوب دلالة لفظية، ولكن لا بالوضع، بل بالاطلاق ومقدمات الحكمة.
وهذا هو المسلك الثالث في دلالة لفظ الامر على الوجوب، وقد مال اليه المحقق صاحب الكفاية والمحقق العراقي وجماعة ممن تبعهم.
تقريب كلام المحقق العراقي
حاصل ما افاده المحقق العراقي ان لفظ الامر، مادة كان او صيغة، يدل بحسب مدلوله التصديقي على الارادة المولوية القائمة بنفس المولى.
فلفظ الامر، من حيث المادة والصيغة، قالب وابزار لابراز ارادة المولى وطلبه.
وهذه الارادة مرددة بين امرين:
احدهما: ان تكون ارادة شديدة، وهي الوجوب.
والثاني: ان تكون ارادة ضعيفة، وهي الاستحباب.
والمقصود من الاطلاق ومقدمات الحكمة في المقام هو ان نثبت بها ان المولى قد قصد الارادة الشديدة.
وتقريب ذلك ان الارادة الشديدة تختلف عن الارادة الضعيفة من حيث تأكد الارادة وشدتها؛ بمعنى ان الارادة الشديدة والضعيفة مشتركتان في اصل الارادة، وانما تمتاز الارادة الشديدة عن الضعيفة بالتأكد والشدة.
فما به الاشتراك بين الارادة الضعيفة والقوية هو نفس الارادة، وما به الامتياز بينهما هو قوة الارادة وتأكدها.
وعليه، فالارادة الضعيفة واجدة لجميع ما به الاشتراك، ولكنها فاقدة بالنسبة الى ما به الامتياز، اعني المرتبة العالية من الارادة.
وعلى هذا، فلفظ الامر، مادة كان او صيغة، اذا صدر من المولى، دل على ارادة المولى.
فان كان مراده من هذه الارادة ارادة قوية، كان الخطاب المولوي الصادر من المولى مشتملا على تمام حقيقة الارادة، من حيث ما به الاشتراك وما به الامتياز؛ اي مشتملا على اصل الارادة وعلى الارادة المقترنة بالقوة والشدة والتاكد.
واما اذا كان مراد المولى ارادة ضعيفة، فالخطاب المولوي يكون مشتملا على ما به الاشتراك، اعني اصل الارادة، ولكنه لا يكون مشتملا على ما به الامتياز، اعني فقدان المرتبة العالية من الارادة.
وذلك لان ما به الامتياز على هذا الفرض هو فقدان المرتبة العالية من الارادة، والفقدان ليس مدلولا للخطاب المولوي، لا من ناحية المادة ولا من ناحية الصيغة، كما هو واضح.
فدار الامر بين ان يكون الموجود في نفس المولى ارادة قوية، فيكون الخطاب المولوي صالحا لبيان تمام تلك الارادة القوية، وبين ان يكون الموجود في نفس المولى ارادة ضعيفة، فلا يكون الخطاب المولوي صالحا لبيان تمام ما في نفسه؛ لان الارادة الضعيفة عبارة عن فقدان الارادة المؤكدة، والخطاب المولوي لا يدل على الفقدان، كما هو واضح.
فحينئذ نجري مقدمات الحكمة ونقول:
الاصل ان المولى في مقام بيان تمام ما في نفسه من المقصود والمراد.
فاذا كان تمام مقصوده ومراده هو الارادة القوية، وجب عليه ان يبينها بتمامها، وان يبين في خطابه كلا من ما به الاشتراك وما به الامتياز.
واما اذا كان تمام مراده هو الارادة الضعيفة، فلم يكن قد بين تمام مراده؛ لان ما به الاشتراك، وهو اصل الارادة، قد بينه بالخطاب، واما ما به الامتياز، وهو فقدان الارادة المؤكدة، فلا يمكنه بيانه بنفس الخطاب، بل يحتاج في بيانه الى نصب قرينة خارجة.
فبمقتضى كون المولى في مقام بيان تمام مقصوده ومراده، لو كانت ارادته محتاجة الى مؤونة زائدة في مقام البيان، لوجب عليه نصب القرينة عليها، والحال انه لم ينصب قرينة.
فمقتضى الاطلاق ومقدمات الحكمة حمل الارادة على الارادة القوية.
وعليه، فلفظ الامر يدل بحسب الاطلاق ومقدمات الحكمة على الوجوب.
الاشكال على هذا التقريب
وقد اورد على هذا المسلك، وعلى هذا التقريب لمقدمات الحكمة، بان الاطلاق الذي نثبته بواسطة مقدمات الحكمة ليس امرا عقليا معقدا قائما على البراهين والدقائق العقلية، بل الاطلاق من سنخ الدلالة العرفية، ومرجعه الى ظهور حال المتكلم، من حيث كونه في مقام بيان تمام مقصوده ومراده او عدم كونه كذلك.
فالمقام في الحقيقة دائر بين ان يكون المتكلم في مقام بيان تمام مراده، بحيث يستفاد تمام مقصوده من الخطاب الذي صدر منه، وبين ان لا يكون في مقام بيان تمام مراده.
وهذا كله راجع الى اعتبار انعقاد ظهور عرفي حالي في تعيين مقصود المتكلم ومراده.
وعليه، فما ذكره المحقق العراقي من ان الارادة القوية لا تحتاج الى مؤونة زائدة بالنسبة الى ما به الاشتراك وما به الامتياز؛ لان كلا منهما مشتمل على نفس الارادة واصلها، بخلاف الارادة الضعيفة، فان ما به الامتياز فيها هو فقدان الارادة، وهو محتاج الى مؤونة زائدة، وان كان دقيقا بحسب النظر العقلي والدقة الحكمية، الا انه لا يتم بحسب الفهم العرفي.
فان العرف لا يرى في المقام مؤونة زائدة في احد الفردين بالنسبة الى الفرد الاخر، ولا يقول: ان هذا الفرد من الارادة يحتاج الى مؤونة زائدة في مقام البيان دون ذلك الفرد.
وعليه، فمادام العرف لا يرى مؤونة زائدة في احد الطرفين، فلا ينعقد الاطلاق من باب مقدمات الحكمة في المقام، حتى يقال: ان مقتضى الاطلاق العرفي تقديم احد الفردين على الاخر.
بل لا بد من ملاحظة ما يراه العرف من ظهور حال المتكلم في مقام بيان مراده، ولا يصح ابتناء مقدمات الحكمة على هذه الدقائق العقلية التي ذكرها المحقق العراقي.
















ثبت دیدگاه