اصول – مباحث الفاظ – جلسه 66
الجهة الثالثة في مادة الامر
بعدما عرفت ان الطلب احد مصاديق معنى لفظ «امر» قطعا، يقع الكلام في ان لفظ «امر» هل يدل على مطلق الطلب، او على خصوص الطلب الوجوبي؟
فلو قال المولى لعبده: «امرتك بالسعي»، فهل يدل هذا الكلام على حصة خاصة من الطلب، وهي الطلب الوجوبي، او يدل على اصل الطلب بنحو يشمل الوجوب والاستحباب معا؟
والبحث يقع في مقامين:
المقام الاول: هل نفس لفظ «امر» يدل على الوجوب او لا؟
وقد استدل في هذا المقام بالآيات والروايات لاثبات دلالة الامر على الوجوب.
وبعد الفراغ عن ذلك، يدخل الكلام في المقام الثاني، وهو ان ما هو الملاك والمناط في دلالة لفظ «امر» على مطلق الطلب او على خصوص الطلب الوجوبي؟
المقام الاول
حاول بعض الاصوليين، كصاحب معالم، اثبات دلالة لفظ «امر» على الوجوب، واستدلوا لذلك بجملة من الآيات والروايات، منها قوله تعالى: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن امره﴾وغير ذلك.
وتقريب الاستدلال بهذه الاية الكريمة: ان لفظ «امر» جعل موضوعا للحذر والتحذر، ومن الواضح ان الطلب الاستحبابي لا يصلح ان يكون موضوعا للحذر؛ اذ الذي يصلح ان يكون موضوعا للحذر انما هو الطلب الوجوبي.
فهذا يكشف عن اختصاص «امر» بالطلب الوجوبي، وان الاصل فيه هو طلب الوجوب، ولا يمكن ان يكون اعم من الطلب الوجوبي والاستحبابي؛ اذ لو كان لفظ «امر» اعم من ذلك، لما صح ان يكون موضوعا للحذر والتحذر على الاطلاق.
الجواب عن هذا الاستدلال
الاستناد الى هذا التقريب لاثبات الوجوب غير تام؛ لان لنا هنا موضوعا وحكما.
اما الموضوع فهو عنوان «امر»، واما الحكم فهو «التحذر».
ونحن نعلم من الخارج ان الاستحباب لا يترتب عليه حذر، ولا يكون في مخالفته محذور، فالاستحباب خارج قطعا عن موضوع هذا الحكم، ولكن الكلام في ان خروجه هل هو بنحو التخصص او بنحو التخصيص؟
فاذا كان لفظ «امر» مختصا بالطلب الوجوبي، كما هو المدعى، كان خروج الاستحباب بنحو التخصص، بمعنى ان الاستحباب ليس «امرا» من الاصل.
واما اذا كان لفظ «امر» موضوعا للجامع بين الطلب الوجوبي والاستحبابي، كان خروج الاستحباب بنحو التخصيص؛ اذ عنوان «امر» يصدق عليه، ولكنه خارج عن حكم الحذر.
فدار الامر بين ان يكون خروج الاستحباب من موضوع الاية بنحو التخصيص او بنحو التخصص.
والمستدل افترض في المقام ان «امر» مختص بالوجوب، وان الاستحباب خارج عن موضوع «امر» بنحو التخصص.
ولكن في مسألة دوران الامر بين التخصيص والتخصص، التي سيأتي البحث عنها في مبحث العام والخاص، يقال: اذا علمنا بخروج فرد من العام، ودار الامر في خروجه بين ان يكون خروجا تخصصيا او تخصيصيا، فلا يمكن اثبات التخصص باصالة عدم التخصيص.
وذلك لان اصالة عدم التخصيص انما تجري فيما اذا كان احتمال شمول حكم العام للفرد موجودا، واما اذا علمنا بان الفرد غير مشمول لحكم العام، فلا تجري اصالة عدم التخصيص.
وعليه، فلا يمكن للمستدل ان يثبت التخصص باصالة عدم التخصيص، وبالتالي لا يمكنه الاستدلال بالاية على مدعاه؛ لان الاستدلال بها لاثبات اختصاص «امر» بالطلب الوجوبي متوقف على كون الاستحباب خارجا عن «امر» بنحو التخصص.
مع ان اصالة عدم التخصيص لا تجري في المقام، فيحتمل ان يكون الاستحباب خارجا عن حكم الاية بنحو التخصيص، وهذا الاحتمال ينسجم ايضا مع القول بان لفظ «امر» موضوع للجامع بين الطلب الوجوبي والاستحبابي.
لایقال: ان اصالة عدم التخصيص تجري في المقام، لان التخصيص خلاف القاعدة ويحتاج الى مؤونة زائدة، والاصل عدم التخصيص.
فانه یقال: ان التخصيص انما يكون خلاف القاعدة فيما اذا لم تكن هناك قرينة متصلة في الكلام، واما في مثل المقام فهناك قرينة متصلة تقتضي خروج الاستحباب عن حكم الاية، فانه اذا كان لفظ «امر» اعم من الوجوب والاستحباب، كان التحذير مستلزما للعقاب، مع ان الاستحباب لا منشأ فيه للعقاب اصلا، فيتعين خروج الاستحباب عن حكم الحذر.
فالمقام يدور بين التخصص والتخصيص، مع وجود القرينة المتصلة، ومعه لا يصح التمسك باصالة عدم التخصيص؛ لانها لا تكون قابلة للتطبيق في المقام.
واما افضل ما يمكن الاستدلال به على دلالة لفظ «امر» على الوجوب، فهو انك لا تكاد تجد فقيها يحكم بعدم الوجوب في مورد ورد فيه دليل مشتمل على لفظ «امر» في لسان الاية او الرواية، بل ان الفقهاء في مثل هذه الموارد يفتون بالوجوب.
وهذا انما هو من جهة التبادر العرفي والمتفاهم العقلائي من لفظ «امر» في الوجوب.
وثانيا: لو صدر امر من مولى ثبتت مولويته، وتخلف المكلف والعبد عن ذلك الامر، لحكم العقلاء باستحقاقه للعقاب والعتاب.
وهذا انما يرجع الى ما هو مفروغ عنه عند العقلاء من ان المتفاهم العرفي والمتبادر من لفظ «امر» هو الوجوب.
فاصل دلالة «امر» على الوجوب لا اشكال فيه اصلا، ولا يحتاج الى هذه المباحث والاستدلالات الطويلة، بل يكفي في اثباته التبادر والوجدان العرفي.
وكذلك اصل دلالة صيغة الامر على الوجوب امر مفروغ عنه عند الفقهاء والعرف، ويكفي في اثبات ذلك ايضا التبادر والوجدان العرفي.
سؤال
هل دلالة مادة «امر» وصيغة الامر على الوجوب بالوضع، او بحكم العقل، او انها ثابتة بالاطلاق ومقدمات الحكمة؟
















ثبت دیدگاه