اصول – مباحث الفاظ – جلسه 63
كان الكلام في المحاولة الثانية، وهي انه هل يمكن ارجاع لفظ «امر» الى معنى واحد او لا؟ وقد اشرنا الى انه لا يبعد ان يكون ذلك المعنى معنى فعليا ووصفيا.
وفي هذا البحث يمكن تصور ثلاثة انحاء لارجاع معاني «امر» الى معنى واحد:
ارجاع غير الطلب الى الطلب.
ارجاع الطلب الى غير الطلب.
فرض جامع اعلى بين الطلب وغير الطلب، بحيث يكون لفظ «امر» مشتركا معنويا.
النحو الاول: ارجاع غير الطلب الى الطلب
ان غير الطلب هو الفعل، واستعمال «امر» في الفعل يرجع في الحقيقة الى استعماله في الطلب؛ وذلك لان الفعل له شانية تعلق الطلب به.
فاذا قلنا:«الصلاة مطلب مهم»،«الكتابة مطلب مهم»
فالفعل انما سمي «مطلبا» من جهة شانيته لتعلق الطلب به، وبذلك يمكن ان يسمى «امرا» ايضا؛ لكونه قابلا في نفسه لتعلق الامر به.
وعليه، ففي مثل قولنا:«الصلاة امر عظيم»
«شرب الخمر امر ذميم»
يكون لفظ «امر» مستعملا في معنى الطلب، ولكن اطلاقه على الفعل انما هو من جهة قابليته الذاتية لتعلق الطلب به.
ولكن هذا البيان غير تام؛ لان لفظ «امر» يستعمل في موارد لا تكون فيها شانية تعلق الطلب بها اصلا. كقولنا: «شريك الباري امر مستحيل».«اجتماع النقيضين امر مستحيل».
نعم، لا يبعد ان يمكن ارجاع هذه الموارد ايضا الى الطلب بنحو من الانحاء.
النحو الثاني: ارجاع الطلب الى غير الطلب
والمحقق النائيني قد قوى هذا القول، وذكر للفظ «امر» معنيين:
الطلب و الواقعة او الحادثة المهمة.
وقد ذكر ان الطلب احد مصاديق الواقعة والحادثة؛ فان طلب زيد من عمرو بنفسه واقعة وحادثة.
وعليه، يكون استعمال «امر» في الطلب من باب كون الطلب مصداقا لعنوان الواقعة او الحادثة، فيكون الطلب راجعا الى غير الطلب.
ولكن يرد على هذه النظرية اشكالان:
الاشكال الاول
اذا كان الطلب يطلق عليه «امر»، وكان استعمال «امر» في الموارد التي يراد منه فيها الطلب من باب كونه مصداقا للحادثة، فلا ينبغي حينئذ ان يكون هناك فرق بين الطلب التشريعي الذي يكون طلبا من الغير، وبين الطلب التكويني، كطلب زيد للمال او العلم.
مع ان من الواضح ان لفظ «امر» في موارد الطلب انما يستعمل في خصوص الطلب التشريعي.
فاذا طلب الاب من ابنه ان يصلي، يقال: «امر بالصلاة».
ولكن اذا طلب الانسان العلم، فلا يستعمل لفظ «امر» في حقه.
وهذا شاهد على ان اطلاق «امر» في موارد الطلب ليس من جهة كونه مصداقا للواقعة؛ اذ لو كان كذلك، لما كان هناك فرق بين الطلب التشريعي والطلب التكويني، فان الطلب التكويني ايضا واقعة من الوقائع، مع ان لفظ «امر» لا يطلق عليه.
فاتضح ان اطلاق لفظ «امر» في موارد الطلب انما هو بملاحظة خصوص الطلب التشريعي، لا من جهة كونه مصداقا للواقعة.
ولكن لا يبعد ان يقال: ان هذا الاشكال ناش عن المعنى الذي فرضتموه للطلب.
وهو ان الطلب بمعنى الطلب التكويني والتشريعي، حيث ان لفظ «امر» لا يطلق في مورد الطلب التكويني، فيكشف ذلك عن ان اطلاق «امر» ليس بملاحظة كونه مصداقا للواقعة.
اقول: اولا: ان البحث عن الطلب ومعناه، وان كان بمعنى الطلب التكويني، صحيح ايضا في مورد الطلب التشريعي؛ فاذا اخذنا الطلب بمعناه التشريعي، امكن ان يكون لفظ «امر» مصداقا لحادثة او واقعة.
وثانيا: حتى لو اخذنا لفظ «طلب» بمعنى الطلب التكويني، فهو ايضا يمكن ان يكون مصداقا لواقعة.
قال تعالى: ﴿وما امر فرعون برشيد﴾
اي ان طلب فرعون وارادته لم يكن رشيدا.
وكذلك قوله تعالى: ﴿فلما جاء امرنا﴾
اي حين جاء طلبنا.
وثالثا: لو جعلنا مكان «الحادثة» او «الواقعة» عنوان «الفعل» او «الفعل المهم»، لاتضح صحة هذا الكلام بصورة اظهر.
الاشكال الثاني
ذكروا ان الطلب تارة يلاحظ بما هو طلب، واخرى يلاحظ بما هو واقعة.
ففي الموارد التي يلاحظ فيها الطلب بما هو طلب، يتعدى الى متعلقه بحرف الباء، فيقال:«طلب الصلاة». «الامر بالصلاة».
ولكن لا يقال: «واقعة بالصلاة». «حادثة بالصلاة».
وذلك لان «طلب» حين يلاحظ بما هو واقعة، لا يتعدى الى متعلقه بحرف الباء.
مع ان «امر» يتعدى الى متعلقه، كما في:
«الامر بالصلاة».
فكما ان «طلب» يضاف الى متعلقه، كذلك «امر» يضاف الى متعلقه، فنقول:
«امر بالصلاة».
وهذا يكشف عن ان «امر» مستعمل في معنى الطلب، لا في معنى الواقعة؛ اذ لو كان بمعنى الواقعة، لكان مقتضى ذلك ان نقول:
«الامر بالصلاة»
اي «الواقعة بالصلاة» او «الحادثة بالصلاة».
والجواب عن ذلك واضح.
فان المحقق النائيني قدس سره ذكر ان معنى «الحادثة» و«الواقعة المهمة» او «الفعل» معنى يكون الطلب احد مصاديقه.
وليس كل ما كان مصداقا لمعنى، يلزم ان يصدق عليه ذلك المعنى مباشرة وبنفس النحو.
وهذا نظير ما تقدم في بحث المعنى الحرفي والمعنى الاسمي، ونظير الاشكال المعروف الوارد على صاحب الكفاية، وجوابه ايضا واضح.
النحو الثالث: فرض جامع بين الطلب وغير الطلب
و هو ان نتصور معنى جامعا ونقول: ان الواضع وضع لفظ «امر» للجامع بين الطلب والواقعة، او بين الطلب والفعل، فيكون لفظ «امر» مشتركا معنويا.
والاشكال في هذا الوجه انه لو فرضنا الجامع مثلا هو «الشيء»، فهل يمكن تصور وتعقل مناسبة خاصة بين «الشيء» وبين «الطلب» او «الواقعة»؟
ولو قلنا بامكان تصور مثل هذا الجامع وتعقله، فهذا الجامع يرجع في نهاية الامر الى نفس «الواقعة»؛ لان الواقعة تصدق على نفسها، كما تصدق على الطلب.
فهذا الوجه في الحقيقة لا يكون وجها ثالثا، بل يرجع الى الوجه الثاني.
وذلك لاننا لا نستطيع ان نتصور معنى اوسع من «الشيء» بحيث يشمل الطلب والواقعة على نحو يكون بينهما جامع خاص؛ اذ ليس للفظ «امر» من جهة انطباقه على هذين المعنيين معنى اوسع من ذلك.
وعليه، فهذا الاحتمال ايضا يرجع في نهاية الامر الى ارجاع الطلب الى غير الطلب، ولا يمكنه ان يقدم معنى جامعا مستقلا للفظ «امر».
















ثبت دیدگاه