اصول – مباحث الفاظ – جلسه 59
الامر الثاني: انحاء استعمال المشتقات في لغة اهل المحاورة
ولا يخفى عليک: ان المشتقات تستعمل في لسان اهل المحاورة على انحاء:
الاول: ان تستعمل لمجرد بيان اتحاد الذات مع المبدأ.
وفي هذه الصورة يكون الاستعمال حقيقيا، اي مستعملا في موضوع له؛ بمعنى ان الذات والمبدأ قد لوحظا في مفهومه، ويحمل المشتق على الذات، كما يقال: «زيد ضارب».
الثاني: ان يستعمل المشتق بعنوان كونه مرآة وآلة للاشارة الى غيره.
كما اذا كان المخاطب عالما بالشخص الذي صدر منه الضرب بعينه، ولكنه لا يعرف اسمه، فيقال له: «اكرم الضارب».
فان لفظ «ضارب» يكون في هذا المقام مرآة للاشارة الى تلك الذات المعهودة، وينتقل المخاطب بواسطته الى الشخص المقصود.
وهذا الاستعمال ايضا حقيقي، لان اللفظ مستعمل في معناه الموضوع له، وانما جعل ذلك المعنى طريقا ومرآة للاشارة الى الذات الخارجية المعهودة.
الثالث: ان يستعمل المشتق في مقام ترتب الحكم عليه ودخوله في موضوعه.
كما يقال: «اكرم العالم».
فانه بمقتضى مقدمات الاطلاق يكون المراد وجوب اكرام كل من يكون متصفا بالعلم فعلا.
وعليه، لا يصح استدلال القائلين بالاعم بالآيتين الشريفتين:
والسارق والسارقة فاقطعوا ايديهما،
الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة
وتقريب استدلالهم ان القطع والجلد انما يقعان بعد انقضاء التلبس بالسرقة والزنا، لا في حال التلبس بهما.
ولكن هذا الاستدلال غير تام، لان الحكم بالقطع والجلد يستفاد من مناسبات الحكم والموضوع، مضافا الى ان اقامة الحدود من وظائف الحكام، ومن الواضح انه لا يمكن ان يكون المراد ايقاع الحد على من يكون في نفس ذلك الوقت مشتغلا بالزنا او السرقة.
فلا دلالة في الآيتين على كون المشتق حقيقة في الاعم.
الرابع: ان يستعمل المشتق في معناه الحقيقي لنفي الحكم عن ذات اتصفت بالمبدأ ولو آنا ما.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿اني جاعلك للناس اماما قال و من ذریتی قال لا ينال عهدي الظالمين﴾.
فانه يستفاد من مجموع الآية ان مقام الامامة منصب الهي خطير رفيع، وان نصبه من شؤون الربوبية ومختص بالله تعالى.
ومن كان متلبسا بالظلم ولو في آن من الآنات لا ينال هذا المقام.
كما ان مقتضى كون «الظالمين» جمعا محلى باللام، عدم نيل شيء من افراد الظالمين لهذا المنصب.
فليس المراد من الآية ان الظالم لا ينال العهد الالهي ما دام متلبسا بالظلم فقط؛ ضرورة ان الظلم ليس من الاوصاف الذاتية للانسان، بل هو من الاعراض المفارقة.
واذا قال: «الظالم لا يصلح لتولي الحكومة»، كان المراد ان من اتصف بالظلم في زمان من الازمنة لا يكون صالحا لتولي هذا المنصب.
واما لو كان المراد عدم الصلاحية حال التلبس بالظلم فقط، للزم ان يكون جميع الناس صالحين لهذا المقام؛ اذ لا يوجد ظالم يكون متلبسا بالظلم فعلا في جميع ساعات عمره، وهذا واضح.
فتبين بما ذكرنا عدم صحة استدلال القائلين بالاعم بهذه الآية الشريفة ايضا.
الامر الثالث: الفرق بين المشتق والمبدأ
قد تقدم ان المبدأ والمشتق لا يختلفان من حيث المفهوم، بمعنى ان مفهوم المشتق عين مفهوم المبدأ وبالعكس.
فلا فرق بين «ضارب» و«ضرب»، ولا بين «عالم» و«علم»، ولا بين «ضاحك» و«ضحك» من حيث المفهوم.
وفی مثل قوله : ان «ضارب» هو الذات التي صدر منها الضرب، او ان «عالم» هو الذات التي ثبت فيها العلم، فانما يذكر ذلك لتفهيم المطلب للمتعلمين، لا لبيان حقيقة مفهوم المشتق.
نعم، يستفاد من هذه التعبيرات ان الضرب فعل صادر عن الذات، وان العلم امر حال في الذات، وهذا في الحقيقة بيان لاختلاف اقسام التلبس وانحائه، وقد تقدم الكلام فيه.
واما اختلاف انحاء التلبس فلا ربط له بمفهوم المبدأ والمشتق ولا بمحل النزاع.
فان قلت : اذا كان المشتق عين المبدأ من حيث المفهوم، فكما يصح حمل المشتق على الذات، ينبغي ان يصح حمل المبدأ عليها ايضا.
قلت : ان المانع من حمل المبدأ على الذات انما هو اباء المبدأ عن الحمل، بخلاف المشتق، فانه لا اباء فيه عن الحمل.
وتوضيح ذلك:
ان مفهوم المشتق، كـ «ضارب»، وان كان هو مفهوم «ضرب» بعينه، الا انه ملحوظ على نحو يمكن ان يكون تمام تحصله وتحققه بهذا المقدار، ويمكن ان تلاحظ فيه حيثية اخرى ايضا.
فمفهوم المشتق هو الضرب بنحو مبهم ولا بشرط.
واما المبدأ، اعني «الضرب»، فهو مفهوم يكون تمام تحصله وتحققه بنفس الضرب، ولا يكون فيه هذا الابهام.
فالحاصل: ان المانع من حمل المبدأ على الذات هو ان مفهوم المشتق ملحوظ لا بشرط من حيث الحمل، واما مفهوم المبدأ فهو ملحوظ بشرط لا.
وبعبارة اخرى: ان المشتق ملحوظ بحيث يكون صالحا للحمل على الذات، واما المبدأ فقد لوحظ على نحو يأبى عن الحمل على الذات.
















ثبت دیدگاه