اصول – مباحث الفاظ – جلسه 48
كان الكلام في بحث المشتق، وقبل الدخول في اصل البحث لا بد من بيان امور مقدمة له.
الامر الاول: معنى المشتق الذي وقع فيه النزاع
لا بد اولا من بيان حقيقة المشتق الذي هو محل النزاع، وتمييزه عما هو خارج عن محل البحث.
فنقول:
ان المفاهيم المنتزعة من الحقائق الخارجية على اقسام:
القسم الاول: المفاهيم التي تنتزع من مرتبة الذات، بحيث لو فرضنا الذات بما هي هي، مجردة عن جميع القيود واللواحق، كان ذلك المفهوم صادقا عليها.
فان الذات في مرتبة خلوها عن كل وصف وحالة تكون مصداقا لذلك المفهوم، وذلك لان منشأ انتزاع هذا المفهوم ليس الا نفس مرتبة الذات، فلا بد ان يصدق عليها في تلك المرتبة، لا قبلها ولا بعدها.
وهذا ما يسمى بالمفهوم الذاتي.
القسم الثاني: المفاهيم التي تنتزع من مرتبة متأخرة عن الذات.
وهذه هي التي يعبر عنها بالاعراض، اي الامور الخارجة عن حقيقة الذات.
والاعراض على قسمين:
الاول: العرض اللازم، وهو ما لا ينفك عن الذات ما دامت الذات باقية.
الثاني: العرض المفارق، وهو ما يعرض على الذات تارة ويفارقها اخرى، كالضحك والقيام والقعود ونحوها.
ومن الواضح ان النزاع في باب المشتق انما هو في هذا القسم الاخير، اعني الاعراض المفارقة.
والظاهر دخول اسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة وصيغ المبالغة في هذا القسم.
الامر الثاني: حيثية الصدق وملاك الحمل
في المفاهيم العرضية المفارقة، التي تصدق على الذات في بعض الازمنة دون بعض، لا بد من وجود جهة للصدق وملاك لصحة الحمل، بمعنى ان صدق المفهوم على الذات لا بد ان يكون ناشئا عن خصوصية قائمة بها توجب صدق ذلك المفهوم عليها.
فمثلا مفهوم الضارب او الشارب لا يصدق على زيد الا عند وجود خصوصية فيه توجب ان يقال: ان زيدا ضارب او شارب، وهذه الخصوصية هي تحقق صدور الضرب او الشرب منه.
وعليه، فقبل تحقق تلك الخصوصية لا يكون عنوان الضارب صادقا عليه.
والا فلو لم يعتبر في حمل المفاهيم العرضية اي جهة او ملاك، للزم حمل هذه المفاهيم على الذوات في زمان خاص بلا موجب، وهو الترجيح بلا مرجح، او يلزم صدق كل عنوان على كل شيء.
فلو فرضنا ان زيدا لم يتلبس بالنصرة في شيء من الازمنة، لم يكن عنوان الناصر صادقا عليه، والا لزم احد الامرين: اما الترجيح بلا مرجح، او صدق كل مفهوم على كل شيء.
الامر الثالث: اقسام المشتقات
المفاهيم التي تصدق على الذوات، ويكون لها ملاك للحمل ومعيار للصدق، تنقسم الى قسمين:
الاول: ما يكون بازائه في الخارج امر موجود وحقيقة متحققة.
الثاني: ما لا يكون بازائه في الخارج الا منشأ الانتزاع، وليس نفس المفهوم له وجود مستقل، كالرقية والابوة والبنوة وسائر الامور الاعتبارية التي تنتزع من العلاقات والخصوصيات الموجودة في الخارج.
وهذا القسم الثاني ايضا على قسمين:
القسم الاول: ما يكفي في صدقه مجرد تلبس الذات بالمبدأ ولو آنا ما.
ففي هذه الموارد، يكفي تحقق المبدأ ولو للحظة واحدة في صدق المفهوم الاعتباري على الذات، ولا يحتاج صدق العنوان الى بقاء المبدأ، بل يكفي حدوثه.
كالابوة والبنوة، فان بمجرد ولادة الولد يصدق عنوان الاب على الرجل، وعنوان الابن على الطفل.
ويبقى هذا العنوان بعد ذلك دائما، حتى لو مات الولد، فان بقاء الولد ليس شرطا في صدق عنوان الابوة.
القسم الثاني: ما يكون صدقه متوقفا على بقاء المبدأ، لا على مجرد حدوثه.
ففي هذه الموارد لا يكفي تحقق المبدأ في زمان سابق، بل لا بد من بقائه حتى يستمر انتزاع المفهوم واعتباره.
كالعلو والسفل، فانهما ينتزعان من النسبة بين شيئين، فاذا كان احدهما فوق الاخر اعتبرت الفوقية للاعلى والتحتية للاسفل، ولكن اذا زالت هذه النسبة، كما لو تغير موضعهما، زال صدق الفوقية والتحتية ايضا.
فبقاء العنوان في هذه الموارد تابع لبقاء النسبة والمبدأ.
الامر الرابع: المراد من الحال في عنوان المسألة
عنوان البحث هو:
هل المشتق حقيقة فيما تلبس بالمبدأ في الحال او فيما يعمه وما انقضى عنه؟
والمراد من الحال هنا ليس زمان الحال المقابل للماضي والمستقبل، كما هو المتعارف في باب الافعال.
فلا ينبغي ان يتوهم ان النزاع الاصولي هو في ان المشتق هل هو مقيد بزمان الحال او يعم الحال والماضي.
بل المراد من الحال هو حال النسبة والحمل، اي زمان تحقق نسبة المشتق الى الموضوع.
نعم، بما ان النسبة تقع في ظرف الزمان، فلها جهة زمانية، ولكن كما ان مفهوم المشتق غير مقيد بالمكان، كذلك هو غير مقيد بالزمان.
فالزمان والمكان بالنسبة الى مفهوم المشتق في مرتبة واحدة، فلا يكونان من قيوده المقومة لمفهومه.
الامر الخامس: المراد من الاعم
المراد من الاعم هنا ليس المعنى المنطقي المشهور الذي يكون في مقابل الاخص، بحيث يشمل افرادا اكثر، كالنسبة بين الحيوان والانسان.
بل المراد بالاعم في هذا المقام هو طول مدة صدق المفهوم على المصداق.
وبعبارة اخرى: ان مصداق المشتق على كلا القولين، سواء قيل بالاخص او بالاعم، واحد، وانما الاختلاف في مقدار الزمان الذي يصدق فيه مفهوم المشتق على الذات.
فعلى القول بالاخص يكون زمان الصدق اقصر، وعلى القول بالاعم يكون زمان الصدق اوسع ويشمل ما بعد انقضاء المبدأ.
فالمعيار في الاعمية والاخصية هنا ليس كثرة الافراد والشمول لها، بل اختلاف مدة صدق المفهوم المشتق على الذات.
وبعبارة اخرى: ان زمان بقاء صدق مفهوم المشتق على الذات على القول بالاعم اطول من زمان بقائه على القول بالاخص.
وبعد وضوح هذه المقدمات الخمس، يتضح محل النزاع في بحث المشتق وحقيقة الخلاف الواقع فيه.
















ثبت دیدگاه