اصول – مباحث الفاظ – جلسه 31
ومن المناسب ان نشير ايضا الى بعض الثمرات التي ذكرت في مسألة استعمال اللفظ في اكثر من معنى، فانها لا تخلو من فائدة.
الثمرة الاولى
ذكروا انه اذا كان الخطاب الواحد ارشاديا ومولويا معا، لزم منه استعمال اللفظ في اكثر من معنى، كما في قوله تعالى: أطيعوا الله والرسول بدعوى ان الامر باطاعة الله ارشاد الى ما يحكم به العقل، واما الامر باطاعة الرسول فهو امر مولوي شرعي.
وفيه: ان الارشادية والمولوية ليستا من قبيل المعاني المستعمل فيها، بل هما من قبيل الداعي الى الاستعمال. فان لفظ “أطيعوا” مستعمل في كلا الموردين في معنى واحد، وهو الطلب، وانما الاختلاف في داعي المتكلم. ففي الامر باطاعة الله يكون الداعي الارشاد الى حكم العقل، وفي الامر باطاعة الرسول يكون الداعي هو المولوية، فالوحدة محفوظة في الاستعمال، وانما التعدد في الداعي لا في المعنى.
الثمرة الثانية
ما ذكروه في باب قراءة القرآن وانشاء الدعاء في الصلاة.
قالوا: لو جاز استعمال اللفظ في اكثر من معنى، لامكن للمصلي ان يقصد بلفظ واحد قراءة القرآن وانشاء الدعاء معا، فلا يرد اشكال في مثل قوله تعالى: إياك نعبد وإياك نستعين
وفيه: انه حتى لو قيل بامتناع استعمال اللفظ في اكثر من معنى، لم يرد الاشكال ايضا، لان المصلي يستعمل اللفظ في معناه الواحد، ويكفي في صدق القراءة ان يكون داعيه من التلفظ حكاية القرآن.
فلو قرأ شعرا لاحد الشعراء بقصد الاستشهاد به في مدح ولي من اولياء الله، فقد حكى بذلك شعر قائله، مع ان المعنى المستعمل فيه هو المدح.
فالداعي غير المستعمل فيه.
وعليه، فاذا قال في الصلاة: اهدنا الصراط المستقيم
كان المستعمل فيه هو انشاء الدعاء، الا ان داعيه من هذا الاستعمال هو قراءة القرآن، فيصدق عليه عنوان القراءة ايضا.
الثمرة الثالثة
ذكر صاحب الكفاية ان صيغة الامر تدل على الوجوب بالوضع.
فاذا ورد مثل قوله: اغتسل للجمعة والجنابة
وعلمنا من دليل خارجي ان غسل الجمعة مستحب، لم يمكن استفادة وجوب غسل الجنابة من نفس صيغة “اغتسل”، لان ذلك يستلزم استعمال اللفظ في اكثر من معنى، اذ تكون الصيغة مستعملة في الندب بالنسبة الى غسل الجمعة، وفي الوجوب بالنسبة الى غسل الجنابة.
فلو قيل بجواز استعمال اللفظ في اكثر من معنى، لم يرد هذا الاشكال.
وقد اجيب عنه بان الواو في قوة تكرار العامل، فكأنه قال: اغتسل للجمعة، واغتسل للجنابة.
ولكن كون الواو في قوة التكرار غير نفس التكرار، فهو خلاف الظاهر.
واما اذا قلنا بان دلالة صيغة الامر على الوجوب ليست وضعية، بل هي مستفادة من مقدمات الحكمة، ارتفع الاشكال، لان المستعمل فيه في كلا الموردين واحد، وهو جامع الطلب، واما الوجوب والاستحباب فيستفادان من الاطلاق والقرائن الخارجية، لا من نفس اللفظ.
وكذلك الحال في قوله: ان ظاهرت او افطرت فاعتق رقبة.
فاذا دل دليل خاص على اعتبار الايمان في الرقبة في باب الظهار، لم يسر ذلك الى باب الافطار، لان المستعمل فيه في قوله: “فاعتق رقبة” واحد، وهو مطلق عتق الرقبة، وانما الاختلاف ناشئ من اختلاف الدليل والمدلول، لا من تعدد المستعمل فيه.
فتحصل انه ان قيل بان دلالة صيغة الامر على الوجوب وضعية، امكن جعل ذلك ثمرة للمسألة، واما اذا قيل بان الوجوب بحكم العقل، او انه يستفاد من مقدمات الحكمة، فلا تترتب هذه الثمرة.
الثمرة الرابعة
ورد في الروايات ان للقرآن ظهرا وبطونا، بل ذكر في بعضها ان له سبعين بطنا.
فهل يكون ذلك من باب استعمال اللفظ في اكثر من معنى؟
ذكر صاحب الكفاية انه لا مانع من ان يكون البطن مرادا جديا لله تعالى مع بقاء المعنى المستعمل فيه على ظاهره، من دون ان يكون اللفظ مستعملا في ذلك البطن، بل يكون ذلك من قبيل المراد الجدي الزائد على المراد الاستعمالي.
ففي قوله تعالى: فاسألوا أهل الذكر
ظاهر الآية السؤال من اهل الذكر، وقد ورد في الروايات: نحن أهل الذكر.
فهل هذا من بطون القرآن او من استعمال اللفظ في اكثر من معنى؟
وكذلك في قوله تعالى: ولا تخسروا الميزان
فان ظاهر الآية النهي عن التطفيف ووجوب رعاية العدل في الكيل والوزن، وقد ورد في بعض الروايات ان المراد من الميزان هو امير المؤمنين عليه السلام.
فليس في شيء من ذلك دليل على استعمال اللفظ في اكثر من معنى، بل يمكن ان يكون المراد من بطون القرآن اللوازم الخفية للآيات التي لا يلتفت اليها العرف، او المصاديق الخفية التي لا تنكشف لعامة الناس.
















ثبت دیدگاه