اصول – مباحث الفاظ – جلسه 30
قد تقدم منا ان استعمال اللفظ في اكثر من معنى ليس بممتنع لا عقلا ولا عرفا. وانما الكلام الآن في انه هل هو استعمال صحيح او فاسد؟ وهل يقبله العرف ام لا؟
ذهب بعضهم الى ان هذا النحو من الاستعمال فاسد في نفسه، لا انه مجرد خلاف الظاهر، بدعوى ان الواضع قد اخذ في نفس الوضع قيدا، وهو ان يكون كل لفظ موضوعا لمعنى واحد. فالوحدة شرط في نفس الوضع، فاذا استعمل اللفظ في معنيين على نحو الاستقلال كان ذلك مخالفا لهذا القيد، ومنافيا لعملية الوضع، فيكون الاستعمال باطلا.
وفيه:
ان المراد من قيد الوحدة ليس هو الوحدة المفهومية او الذهنية، بل الوحدة الواقعية للمعنى، بمعنى ان يكون كل معنى مستقلا بنفسه، لا جزءا من معنى آخر ولا مركبا معه. وعليه، فاذا استعمل اللفظ في معنيين مستقلين، فقد حفظت الوحدة في كل واحد منهما، فلا يلزم محذور.
وثانيا: لو سلم اخذ هذا القيد في الوضع، فان مخالفته لا تستلزم الا مخالفة الظاهر، لا فساد الاستعمال. فغاية الامر ان الاستعمال يكون مخالفا للوضع الاول، لا انه استعمال غير صحيح.
وذهب جماعة الى ان استعمال اللفظ في اكثر من معنى مخالف لغرض الواضع، لان الواضع انما وضع الالفاظ ليكون لكل معنى لفظ، ولكل لفظ معنى، فجعل بينهما علاقة واحدية.
وعليه، فاستعمال لفظ واحد في معنيين يكون منافيا لذلك الغرض.
وفيه:
اولا: من اين يثبت ان الواضع قصد هذا الغرض؟
وثانيا: لو سلم ثبوته، فمن قال بوجوب اتباع اغراض الواضع؟
وثالثا: لو سلمنا الجميع، فلا يلزم من مخالفته فساد الاستعمال، لان اللفظ اذا كان صالحا لافادة المعنيين، وانتقل الذهن عند سماعه اليهما، لم يكن مجرد مخالفة غرض الواضع موجبة لبطلان الاستعمال.
نعم، لا اشكال في ان هذا النحو من الاستعمال قليل الوقوع، غير متعارف، وخلاف الظاهر العرفي.
وتوضيح ذلك:
ان المعروف بين الادباء والاصوليين ان ارادة اكثر من معنى من لفظ واحد، وان كانت ممكنة، الا انها على خلاف الظهور العرفي، لان الذهن العرفي لا ينسبق منه عادة الا معنى واحد.
فلو قال المولى: جئني بعين، كان الظاهر انه اراد احد معاني العين، لا جميعها.
وذلك لان ظاهر حال المتكلم ان يكون مقام الاثبات مطابقا لمقام الثبوت، كما ان كل جملة خبرية او انشائية لا تدل الا على نسبة تامة واحدة، فكذلك ظاهر الاستعمال ان يكون لمعنى واحد. واما ارادة اكثر من معنى فتستلزم اجتماع خبرين او انشائين في جملة واحدة، وهو خلاف هذا الظهور الحالي.
الا ان هذا البيان لا يكفي وحده في تفسير ندرة هذا الاستعمال، لان نظيره موجود في المطلق والمقيد، والعام والخاص، مع ان استعمال اللفظ في اكثر من معنى لا يكاد يوجد في شيء من اللغات.
ومن هنا يظهر ان منشأ هذه الندرة اعمق من مجرد الظهور الحالي، بل يرجع الى كيفية العلاقة الوضعية بين اللفظ والمعنى، فان العلاقة الوضعية في جميع اللغات قائمة بين لفظ واحد ومعنى واحد، فهي علاقة واحدية اخذت في نفس النظام اللغوي، لا انها مجرد عادة استعمالية.
ولهذا اذا سمعنا لفظا، انسبق الى الذهن معنى واحد، حتى فيما اذا كان لفظ زيد اسما لاشخاص متعددين، فقيل: جاء زيد.
فالوحدة في الانسباق ناشئة من طبيعة العلاقة الوضعية، ولذلك كان استعمال اللفظ في اكثر من معنى نادرا وغير متعارف، ومخالفا للطبع اللغوي.
ثم يقع الكلام في هذا المحذور الثبوتي على وجه التفصيل.
البيان الاول:
ان العلاقة الوضعية بين اللفظ والمعنى علاقة واحدية.
وقد تقدم في مباحث الوضع ان بين كل لفظ ومعناه ملازمة ذهنية خاصة، بحيث ينتقل الذهن عند سماع اللفظ الى ذلك المعنى.
وهذه الملازمة انما قامت بين كل لفظ ومعنى واحد، لا بين لفظ واحد ومعان متعددة.
فاذا استعمل اللفظ في معنيين دفعة واحدة، كان ذلك على خلاف هذه العلاقة الوضعية.
وبعبارة اخرى: ان الاقتران الذهني بين اللفظ والمعنى انما تحقق على نحو الواحد بالواحد، لا الواحد بالمتعدد.
فاستعمال اللفظ في اكثر من معنى يكون بمنزلة استعمال المهمل، لعدم تحقق هذا الاقتران بالنسبة الى الجميع.
والجواب واضح، فان هذا الاقتران انما يثبت في الموارد المتعارفة، ولا يمنع من صحة الاستعمال في الموارد النادرة، فلا يكون مانعا ثبوتيا.
البيان الثاني:
ان الاشكال ناشئ من ناحية تركيب الجملة والنسب اللغوية.
فان الاستعمال ليس في الالفاظ المفردة فحسب، بل يقع في ضمن الجمل المشتملة على نسب تامة او ناقصة.
ففي قولنا: جاء زيد، يكون لفظ زيد طرفا لنسبة واحدة مع الفعل.
فاذا استعمل لفظ واحد، كالعين، في اكثر من معنى، لزم دخوله في نسبتين مستقلتين.
ومع ان كل جملة لا تحتمل الا نسبة تامة واحدة، فلا بد اما من فرض نسبتين مستقلتين، او ارادة الجامع او المجموع، وهو خارج عن محل النزاع.
فلا يمكن في الجمل المتعارفة ان يدخل لفظ واحد في اكثر من نسبة، الا بتقدير تكرار الجملة، وهو خلاف الوجدان العرفي.
وفيه:
ان ذلك ليس بعسير، فان الذهن قادر على انشاء الجملتين في آن واحد بسرعة، ولو سلم كونه خلاف الوجدان العرفي، لم يثبت منه اكثر من كونه خلاف الظاهر، لا انه يوجب فساد الاستعمال.
فتحصل من جميع ما ذكرنا ان استعمال اللفظ في اكثر من معنى لا محذور فيه لا ثبوتا ولا اثباتا، وان غاية ما يقتضيه الوجدان العرفي هو كونه على خلاف الظاهر، لا انه استعمال باطل.
















ثبت دیدگاه