اصول – مباحث الفاظ – جلسه 26
العلامة الثالثة من علامات الحقيقة والمجاز: الاطراد
المراد بالاطراد كثرة استعمال اللفظ وشيوعه في معنى واحد، بحيث اذا وجدنا لفظا يستعمل في الادلة والمحاورات مرارا في معنى معين، احتملنا ان يكون ذلك هو معناه الحقيقي.
معاني الاطراد
الاول: الاطراد في التبادر
وهو ان يتبادر من اللفظ عند تكرار استعماله وفي الموارد المختلفة معنى واحد دائما، بحيث لا يختلف باختلاف المقامات. وهذا يكشف عن ان التبادر ناشئ من حاق اللفظ، لا من القرينة ولا من الانس الذهني.
الا ان هذا المعنى في الحقيقة يرجع إلى التبادر، الا ان یقال : ان التبادر ليس علامة للحقيقة، بل هو نفس الوضع، فعندئذ يكون الاطراد في التبادر من علامات الحقيقة، كما هو الحق.
الثاني: الاطراد في الاستعمال
والمراد به شيوع استعمال اللفظ في معنى معين في لسان العرب وفي موارد الاستعمال.
وقد یقال : ان الاطراد في الاستعمال من اهم الطرق لمعرفة المعنى الحقيقي، ولذلك يعتمد اهل اللغة عليه في تدوين المعاجم، فيراجعون موارد استعمال اللفظ في النصوص المختلفة، ثم يستكشفون منها معناه للغوي الحقيقي.
نعم، مجرد كثرة الاستعمال لا تكفي لاثبات الحقيقة، لاحتمال ان يكون الاستعمال مجازيا.
ولكن اذا وجد الاستعمال كثيرا ومن دون قرينة، كان ذلك علامة على الحقيقة؛ لان الاستعمال المجازي بلا قرينة نادر جدا، فشيوع الاستعمال مجردا عن القرينة يكشف عن كون المعنى موضوعا له.
فالحاصل ان الاطراد في الاستعمال بلا قرينة يعد من علامات الحقيقة، وهو الذي يعتمد عليه غالبا اهل اللغة في معرفة المعاني اللغوية.
الثالث: الاطراد في التطبيق
وهو ان يطرد انطباق اللفظ على جميع افراد معنى معين، فيقال: ان هذا ايضا علامة الحقيقة.
وفيه:
ان هذا لا يختص بالحقيقة، بل يجري في المجاز ايضا.
فان لفظ “الاسد” يطلق على كل رجل شجاع على سبيل المجاز، كما ان لفظ “العالم” يصدق على كل من اتصف بملكة العلم.
فلا يكون الاطراد في التطبيق علامة مختصة بالحقيقة، لامكان تحققه في موارد المجاز ايضا.
هذا تمام الکلام في علامات الحقيقة والمجاز
البحث التالي: احوال اللفظ وتعارض الاحوال
قال المحقق الخراساني:
“لللفظ احوال خمسة: التجوز، والاشتراك، والتخصيص، والنقل، والاضمار.”
اي ان اللفظ تعرض له خمس حالات:
التجوز
الاشتراك
التخصيص
النقل
الاضمار
وقد يقع التعارض بين هذه الاحوال نفسها، كما اذا دار الامر بين التجوز والتخصيص، او بين التجوز والاضمار، ونحو ذلك.
وقد ذكر الاصوليون وجوها لترجيح بعض هذه الاحوال على بعض، فقالوا مثلا: التخصيص اولى من المجاز، او الاضمار اولى من المجاز.
ولكن المحقق الخراسانی يرى ان هذه الوجوه مجرد استحسانات لا اعتبار بها، الا اذا اوجبت ظهور اللفظ في احد المعاني؛ لان المدار في الحجية على الظهور.
وفيه:
ان ارجاع جميع هذه الموارد إلى اصالة الظهور غير تام؛ لان هذه الاحوال ليست كلها من سنخ واحد، بل ترتبط بمراحل مختلفة من الدلالة.
وقد تقدم ان للدلالة اللفظية ثلاث مراحل:
الدلالة التصورية، وهي الدلالة الوضعية السابقة على الاستعمال.
الدلالة التصديقية الاولى، وهي الدلالة الاستعمالية الكاشفة عن قصد الاستعمال.
الدلالة التصديقية الثانية، وهي الدلالة الجدية الكاشفة عن المراد الواقعي للمتكلم.
وعليه، فبعض هذه الاحوال، كالنقل والاشتراك، يرجع إلى الدلالة الوضعية، وبعضها، كالمجاز والتخصيص، يرجع إلى الدلالة الاستعمالية، وبعضها، كالاضمار والاستخدام، يرتبط بالدلالة الجدية.
فلا بد من ملاحظة كل واحد منها في مرحلته، والرجوع إلى الاصول المناسبة لتلك المرحلة.
المقام الاول: الدلالة الوضعية
ويقع الشك فيها على اقسام:
الاول: الدوران بين الحقيقة والمجاز
وطريق تشخيصه هو علامات الحقيقة، كالتبادر، وصحة الحمل، وعدم صحة السلب، والاطراد.
وهذه ليست من الاصول اللفظية، بل هي طرق وجدانية لكشف المعنى، وقد تنضم اليها اصول عقلائية، كقول اهل الخبرة، واصالة التطابق.
الثاني: الدوران بين الاشتراك وعدمه
والاصل العقلائي فيه هو اصالة عدم الاشتراك.
الثالث: الدوران بين النقل وعدمه
والاصل العقلائي فيه هو اصالة عدم النقل.
توضيح القسمين الاخيرين
قد يشك في ان اللفظ هل صار مشتركا بين معنيين، او نقل من معناه الاول إلى معنى جديد.
ولرفع هذا الشك بنى العقلاء على اصلين:
اصالة عدم الاشتراك.
اصالة عدم النقل.
فما لم يقم دليل على الاشتراك او النقل، يؤخذ بالمعنى المعروف الثابت.
وذلك لان بناء العقلاء قائم على ثبات الالفاظ ومعانيها، وعدم انتقالها الا بدليل، ولم يرد من الشارع ردع عن هذه السيرة، فتكون حجة.
مثال
اذا شككنا في لفظ “الصلاة”، مع العلم بانه كان في اللغة بمعنى الدعاء، ثم استعمل في الشريعة في العبادة المخصوصة.
فاذا ورد هذا اللفظ في رواية، وشككنا في ان المراد منه المعنى اللغوي او الشرعي، فلا يجدي استصحاب بقاء المعنى اللغوي؛ لكونه من الاصل المثبت، مع معارضته بالاستصحاب القهقرائي.
فالمرجع حينئذ هو اصالة عدم النقل.
نعم، يمكن التفصيل، بان يقال: اذا علم تاريخ صدور الرواية، وشك في تحقق النقل إلى ذلك الزمان، جرت اصالة عدم النقل. واما اذا تردد زمان صدور الرواية بين ما قبل النقل وما بعده، فلا مجال لجريان هذا الاصل.
وكذلك الحال في اصالة عدم الاشتراك، فانها تجري اذا شك في صيرورة المعنى الثاني حقيقة بعد ان كان مجازا.
واما اذا احتمل من الابتداء ان اللفظ وضع في قبيلتين لمعنيين مختلفين، فلا مورد لاصالة عدم الاشتراك.
فلو شك في حديث: لا صلاة الا بطهور، هل لفظ “الصلاة” مشترك بين الدعاء والعبادة المخصوصة، كان المرجع اصالة عدم الاشتراك، فيحكم بان له معنى واحدا، وهو الحقيقة الشرعية، او بعبارة اخرى: المعنى المشهور، وهو العبادة المخصوصة.
المقام الثاني: الدوران من جهة الدلالة الاستعمالية
والبحث في هذا المقام عن تشخيص المراد الاستعمالي للمتكلم، وان اللفظ هل استعمل في معناه الحقيقي، او في معناه المجازي، او وقع في الكلام اضمار او استخدام.
















ثبت دیدگاه