فقه – مباحث طهارت – جلسه 88
قد تقدم الكلام في الماء المشكوك كريته الذي لا تعلم حالته السابقة وقد لاقى النجاسة. وقد فرغنا من المقام الاول، غير انا نريد اليوم اعادة النظر فيه وفي ادلته.
فنقول: ان مقتضى النظر الاولي هو اصالة عدم تحقق سبب الاعتصام؛ لما يستفاد من الادلة – كما تقدم – من ان عدم الانفعال منوط بامور وجودية، كبلوغ الماء حد الكر، او كونه ذا مادة، ونحو ذلك.
فقد دلت صحيحة ابن بزيع على تعليق طهارة الماء على المادة، كما علقت في الماء الجاري على وصف الجريان، حيث قال عليه السلام: إذا كان جاريا فلا بأس به. وكذلك في ماء الكر علقت على بلوغه حد الكر.
وقد تقدم منا ان الرجوع الى عمومات ادلة الانفعال لا يخلو من اشكال، لان الشبهة مصداقية، ولا يجوز التمسك بالعام فيها. نعم لا يبعد تقريب الرجوع اليها من وجوه:
الاول: ان اصالة عدم وجود الكر في هذا الموضع كافية، وان لم يجر استصحاب عدم الكرية في نفس الماء.
الثاني: ان الشك في تحقق مصداق المخصص يوجب الشك في ثبوت الحكم الخاص، والاصل عدمه، فبانتفائه يثبت حكم العام؛ لان ثبوت حكم العام يكفي فيه عدم احراز الخاص، لا احراز عدمه.
الثالث: ان يقال: ان عنوان المخصص بمنزلة المانع عن تأثير العام، فلا يرفع اليد عن المقتضي الا مع احراز وجود المانع، ومع الشك فيه فالاصل عدمه، وان لم يكن له حالة سابقة.
ولكن الظاهر من كلمات جماعة من الاعلام انهم لم يعتمدوا على شيء من هذه الوجوه، بل صرح بعض الاعاظم بان الوجه هو ان الاعتصام يحتاج الى سبب وجودي، والاصل عدمه.
لایقال: ان هذا الاصل لا حالة سابقة له الا العدم الازلي؛ لان سبب الاعتصام ليس الا كرية الماء، وعدم الكرية لا يثبت له حالة سابقة سوى العدم السابق على وجود الموضوع، وقد انقطع ذلك العدم بوجود الماء.
بيانه: ان عدم الكرية قبل وجود الماء انما هو عدم الاتصاف، وهو متقوم بالموضوع، فمع عدم الموضوع لا اتصاف، واما بعد وجود الماء فقد تبدل ذلك العدم، ولا يعلم انه صار وجودا او بقي عدما، فلا يبقى يقين سابق يستصحب.
فانه یقال : يكفي استصحاب عدم الاتصاف بنحو عدم التقييد؛ بان يقال: ان كرية هذا الماء لم تكن قبل وجوده، والاصل بقاؤها على العدم؛ لان الكرية امر وجودي وهو سبب الاعتصام، وقد علم عدمه ازلا، فيستصحب ذلك العدم.
الا ان محل الكلام الحقيقي يبتدئ من هنا، وهو ان جميع ما ذكرناه من الوجوه لاثبات انفعال الماء المشكوك الكرية مبني على عدم تمامية الحديث النبوي سندا او دلالة، او على عدم دلالته على كون الاعتصام ذاتيا للماء.
واما بناء على ما ربما يستظهر من قوله صلى الله عليه وآله: “خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شيء”، فالظاهر ان الطهورية والاعتصام ثابتان لنفس الماء بجعل الهي، من غير توقف على امر آخر كالكثرة او الجريان او المادة.
وعليه يكون الاعتصام هو الاصل في الماء، ويكون الانفعال محتاجا الى سبب وجودي، كتغير الماء او كونه قليلا.
فان قلت : ان هذا الحديث قد خصص بالروايات الصحيحة المفرقة بين الماء القليل والكثير، فبعد التخصيص لا يبقى موضوعه مطلق الماء، بل خصوص الماء المعتصم، فلا يدل على الاعتصام الذاتي لجميع المياه.
قلت : ليس اللازم ان يكون التخصيص موجبا لارتفاع تلك الدلالة، بل يمكن ان يقال: ان الخارج هو خصوص الماء القليل الراكد، وهو عنوان وجودي، فيبقى ظهور الحديث في ان الانفعال يحتاج الى سبب وجودي محفوظا.
واما دعوى ان القلة امر عدمي، لانها عبارة عن عدم الكرية، فمدفوعة؛ لان الكر وغير الكر عنوانان متقابلان عرفا، والقليل عنوان وجودي وان استلزم سلب الكرية.
وحينئذ يقع التعارض بين هذه الطائفة وبين ادلة الانفعال بالتباين، وبعد التساقط يرجع الى استصحاب الطهارة، بل الى قاعدة الطهارة.
فالحاصل: ان الماء المشكوك كريته مع الجهل بحالته السابقة لا يحكم بانفعاله بالملاقاة، وان كان الاحوط الاجتناب عنه
والله العالم.
















ثبت دیدگاه