فقه – مباحث طهارت – جلسه 82
واما الامر الاول:
فالكر ليس من الاحكام الشخصية حتى يختلف باختلاف الاشخاص، بمعنى ان يكون الماء كرا بالنسبة الى شخص وغير كر بالنسبة الى آخر، لوضوح ان الكر من الاحكام العامة.
فاذا كان الماء كرا فهو كر بالنسبة الى الجميع، وان لم يكن كرا فلا يكون كرا لاحد.
ولا يتم ذلك الا بجعل الميزان في السبعة والعشرين شبرا اقصر شبر لافراد الخلقة المتعارفة، بحيث لا يكون اقصر من المتعارف عرفا.
فعلى هذا يكون المدار اقل الاشبار المتعارفة، وهذا المقدار متحقق في حق جميع افراد الخلقة المتعارفة.
فاذا بلغ الماء سبعة وعشرين شبرا بهذا الشبر الادنى فقد بلغ حد الكر في حق الجميع، وان لم يبلغ بهذا المقدار لم يكن كرا في حق احد.
وهذا بخلاف ما لو جعل الميزان شبر كل شخص بالنسبة الى نفسه، فانه يلزم اختلاف الكرية باختلاف قصر الاشبار وطولها، فرب ماء يبلغ سبعة وعشرين شبرا بشبر شخص ولا يبلغها بشبر غيره، فيكون كرا عند احد دون الآخر.
مضافا الى انه لو فرض ماء يبلغ سبعة وعشرين شبرا بشبر شخص طويل، ولا يبلغ بشبر اقصر افراد المتعارف الا خمسة وعشرين شبرا، شككنا حينئذ في ترتب احكام الكر عليه، او في طهارة الثوب المتنجس بملاقاته له، فيستصحب العدم.
واما الامر الثاني:
فالمياه تختلف من حيث الوزن.
فان الماء المقطر او النازل من السماء اخف من المياه الممتزجة بالمواد الارضية، كالجص والشب والملح والكبريت ونحوها.
وذلك لان ازدياد المواد الخارجية يوجب زيادة الثقل.
واما اختلاف المياه في ذواتها، مع قطع النظر عن المواد الخارجية، فليس ببعيد ان يقال: انه تابع لاختلاف البيئات التي ينزل فيها المطر، فلعل ذات الماء تختلف باختلافها، وليس ذلك مجرد دعوى. فافهم.
وبعد هذين الامرين والمقدمة المتقدمة يقع الكلام في الصور الاربع.
الصورة الاولى
ان يتطابق الوزن والمساحة تطابقا حقيقيا.
ولا اشكال حينئذ، اذ لا مانع من تحديد حقيقة واحدة بمعيارين متحدين، مع كونهما متلازمين ومنطبقين من غير زيادة ولا نقيصة، وهو واضح.
الصورة الثانية
ان يكون الوزن اكثر من المساحة.
وحينئذ لا بد من جعل المدار على المساحة، ويكون الوزن معرفا وكاشفا عنها، ولا ضير في كون المعرف اكثر من المعروف.
لان جعل المعرف منطبقا على المعروف انطباقا حقيقيا ليس ميسورا دائما، فلا بد من جعله ازيد منه بنحو الاحتياط.
الصورة الثالثة
ان تكون المساحة اكثر من الوزن.
وحينئذ لا بد من جعل المدار على الوزن.
ولما كان الوقوف على الوزن متعذرا غالبا في تلك الازمنة، ولا سيما في الصحارى والفلوات، جعلت المساحة طريقا ومعرفا له.
وذلك لان معرفة المساحة، وان لم تكن سهلة دائما، لتوقفها في كثير من الاشكال، كالمسدس والمخمس والبيضوي والمخروطي وما اختلفت اضلاعه، بل وفيما كان سطح الماء غير منتظم، على معرفة القواعد الهندسية والحسابات الدقيقة، وهي مما يعسر حتى على كثير من اهل العلم، فضلا عن عامة الناس.
الا انها مع ذلك ايسر من معرفة الوزن، ولا سيما في الاشكال المربعة والدائرية والمستطيلة.
اقول:
ولا سيما وان الغالب في مقام احراز الكر انما هو صنع الحياض والغدران، فلذلك جعلت المساحة طريقا الى الوزن، ولا يضر حينئذ الزيادة اليسيرة في المعرف.
الصورة الرابعة
ان يختلف الحال، فيكون الوزن في بعض الموارد اكثر من المساحة، وفي بعضها تكون المساحة اكثر من الوزن، لاختلاف المياه في الخفة والثقل.
فرب ماء صاف خفيف تتحقق فيه المساحة قبل الوزن، ورب ماء ثقيل يتحقق فيه الوزن قبل المساحة.
وهذه هي الصورة التي يظهر انها المطابقة للواقع.
وحينئذ لا بد من جعل المدار على تحقق احد التحديدين، بمعنى ان تحقق اي واحد من الوزن او المساحة كاف في ثبوت الاعتصام.
ففي المياه الخفيفة الصافية تتحقق المساحة قبل الوزن، وفي المياه الثقيلة يتحقق الوزن قبل المساحة.
فان قيل: هل يكفي تحقق احدهما، او يعتبر اجتماعهما؟
قلنا: ظاهر الادلة، بل اطلاقها، كفاية احدهما.
واشتراط اجتماعهما قيد زائد يحتاج الى بيان زائد، ولا بيان عليه، فمع تحقق احد الامرين يحكم بحصول الكرية.
لا يقال: يجري استصحاب عدم الكرية واستصحاب نجاسة الثوب.
فانه يقال: استصحاب نجاسة الثوب اصل مسببي، وبعد استفادة كفاية احد الامرين من الادلة لا يبقى مجال لاستصحاب عدم الكرية، فضلا عن ترتيب استصحاب النجاسة عليه.
ولعل السر في ذلك ان المياه الصافية غير الممتزجة بالمواد الخارجية اسرع الى التغير والفساد للطفها، بخلاف المياه الممتزجة بالملح ونحوه، فانها ابعد عن التغير.
كما يشاهد ذلك في الماء العذب بالنسبة الى ماء البئر، فان الماء العذب اسرع فسادا منه.
فلعل الشارع اعتبر في المياه الخفيفة زيادة المقدار، لتبقى محفوظة عن الفساد قبل عروض التغير عليها، بخلاف سائر المياه. والله العالم.
















ثبت دیدگاه