فقه – مباحث طهارت – جلسه 74
واما التفصيل الذي ذكره السيد المرتضى في رسالته في انفعال الماء القليل، فحاصله: ان الماء اذا ورد على النجس لم ينفعل، واما اذا ورد النجس على الماء انفعال الماء.
وهذا مبني على احتمالين:
الاول: وهو الذي اشرنا اليه سابقا، ان يكون مراده اختصاص هذا التفصيل بباب التطهير، بمعنى ان الماء اذا ورد على النجس او المتنجس كان مطهرا ولم ينفعل، بخلاف ما اذا ورد النجس على الماء.
والثاني: ان يكون مراده ان الماء القليل اذا ورد على النجس او المتنجس لا ينجس بنفس الملاقاة، بل يبقى على طهارته، نظير ماء الاستنجاء الذي قام الدليل الخاص على عدم انفعاله.
وعلى الاحتمال الثاني، فوجه استدلاله – كما تقدم – ان ادلة انفعال الماء القليل بالملاقاة لا يستفاد منها ازيد من سراية النجاسة من الملاقي الى الماء القليل فيما اذا كان النجس واردا على الماء، واما اذا كان الماء واردا على النجس فلا دلالة لها عليه. وبعبارة اخرى: المرتكز العرفي من هذه الاخبار ان النجاسة اذا وردت على الماء القليل اوجبت تنجسه، لا العكس.
وكذلك الاخبار الخاصة الواردة في انفعال الماء القليل بمجرد الملاقاة، فانها جميعا واردة في موارد ورود النجاسة على الماء، فلا اطلاق لها يشمل صورة ورود الماء على النجس.
ولكن يدفعه ان الفهم العرفي من ادلة انفعال الماء القليل في امثال الدم والعذرة وسائر النجاسات، ان الحكم بالنجاسة مستند الى نفس الملاقاة والسراية، من غير مدخلية لكون احدهما واردا على الآخر. فلا خصوصية للورود عند العرف، لان الانفعال معلول لنفس الملاقاة.
وكذلك الحال في غير الماء، فلو لاقى الدم ثوبا، لم يفرق العرف بين كون الدم واردا على الثوب او كون الثوب واردا على الدم، بل المدار عنده على تحقق الملاقاة وسراية الدم الى الثوب.
نعم، اذا لاحظنا اخبار الاستنجاء والتعليل الوارد فيها، ظهر – على خلاف ما افاده بعض الاعلام – ان ظاهر التعليل يؤيد ما ذهب اليه السيد المرتضى، حيث قال عليه السلام:”ان الماء اكثر من القذر.”
فان اكثرية الماء ظاهرة في قاهريته وغلبته، ولا تتحقق هذه الغلبة الا فيما اذا كان الماء واردا على النجس او المتنجس، وهذه نكتة دقيقة ينبغي التأمل فيها.
ومن جهة اخرى، ذكر السيد ان في المقام مانعا ايضا، وهو انه لو انفعل الماء القليل بكل ملاقاة، لما امكن تطهير شيء من المتنجسات به، مع ان بطلان ذلك ضروري.
ولكن يرد عليه ان هذه المانعية انما تثبت في خصوص موارد التطهير، والتعدي منها الى غيرها محل تأمل.
وكذلك ما ذكره بعض الاعاظم من ان السيد المرتضى قد التزم اخيرا بنجاسة الماء القليل في كلا الفرضين، ليس في محله، لان السيد ذكر اولا قصور المقتضي، ثم قال: سلمنا، فهناك مانع، فجعل المانع دليلا ثانيا، لا انه رفع اليد عن الدليل الاول.
غاية الامر ان هذا المانع ايضا لا يفهم الا في خصوص باب التطهير، اذ المرتكز العرفي يحتمل اختصاص الحكم بهذا الباب، فلا يصح التعدي منه الى سائر الموارد، فيقال: ان الماء اذا ورد على العين النجسة او المتنجسة في غير مقام التطهير لم ينفعل.
ولكن يرد هنا سؤال، وهو: هل عدم انفعال الماء في موارد التطهير حكم تعبدي محض، او لا؟
ومن جهة اخرى، قد علل الامام عليه السلام في ماء الاستنجاء بقوله: “ان الماء اكثر من القذر.”
مع ان ماء الاستنجاء ليس ماء كثيرا، فيكشف ذلك عن ان الحكم ليس تعبديا صرفا، بل العرف ايضا لا يرى فرقا بين ورود الماء على النجس للتطهير ووروده عليه في غيره.
فبملاحظة مجموع الروايات، لا يبعد ان يكون كلام السيد المرتضى اوفق بظاهر بعضها، الا انه مع ذلك لم يثبت في المسألة اجماع، كما ان ادلة المخالفين لا تنهض برد مذهبه.
وقال السيد المرتضى في الناصريات
هذه المسألة لا اعرف فيها نصا لاصحابنا ولا قولا صريحا.
ثم نقل مذهب اكثر الشافعية، واختار في النهاية ما ذهبوا اليه.
ولعل الوجه في ذلك ان هذه المسألة كانت عند اصحابنا من الواضحات والمفروغ عنها، فلم تصل الينا فيها كلمات صريحة، وانما قبلوا الحكم في الموارد الخاصة، كالتطهير والاستنجاء، لورود النص فيها، مع ان التعليل الوارد فيها لا يصرح بخصوصية ورود الماء على النجس او بالعكس.
على ان هذا التفصيل هو المشهور عند جماعة من العامة، ولا سيما الشافعية، وقد ورد الامر بمخالفتهم عند تعارض الاخبار، وان لم يكن المقام من صغريات التعارض، الا ان ذلك يصلح للتأييد.
فالمتحصل، ان الادلة المحكمة المتقدمة تقتضي ان الماء القليل ينفعل بملاقاة النجس والمتنجس مطلقا، ولم يتم عندنا شيء من هذه التفصيلات، كما لا فرق في التفصيل الاخير بين ورود الماء على النجس او المتنجس وبين ورودهما على الماء.
وسيأتي ان شاء الله تعالى تحقيق ذلك مفصلا في مباحث الغسالة وماء الاستنجاء.
واما ما ذكره صاحب العروة في الحياض الصغار التي دون الكر اذا كانت متصلة بعضها ببعض، فهو ما افاده من انه اذا اتصلت بانابيب او جداول وكان مجموعها يبلغ الكر، كان الجميع بحكم الماء الواحد، لان المجموع قد بلغ حد الكر وحصلت له القاهرية والغلبة، والعرف يرى هذه المياه المتفرقة مع الاتصال ماء واحدا، وهذا الاتصال يوجب وحدتها عرفا.
ولما كان المدار في الاعتصام بلوغ الماء حد الكر، صدق عنوان الكر على مجموعها.
واما ما نسب الى صاحب المعالم من عدم الاعتصام في مثل ذلك، فلا يظهر له وجه معتد به، كما ان دعوى انصراف اطلاقات الادلة عن هذه الصورة غير تامة.
اللهم الا ان يكون مراده صورة ما اذا لم تكن الحياض المتصلة على مستوى واحد، بل كان بعضها اعلى من بعض، وكان الماء جاريا من الاعلى الى الاسفل.
ففي مثل ذلك يشكل اعتصام الماء الاعلى بالسافل، بخلاف اعتصام الماء السافل بالعالي، فانه اقوى.
واما مع عدم الجريان، فلا يبعد الالتزام باعتصام الماء الاعلى ايضا، لصدق الوحدة والاتصال عرفا، وان كان الاحوط الاجتناب.
















ثبت دیدگاه