فقه – مباحث طهارت – جلسه 70
واما بناء على تقدير تمامية هذه الصحيحة – وهو المختار عندنا – تعارض بعض روايات عدم انفعال الماء القليل بملاقاة المتنجس، كخبر ابي بصير المتقدم، ففيه: انا قد اثبتنا فيما سبق ان دلالة امثال خبر ابي بصير وغيره على عدم الانفعال بالمتنجس غير تامة، فلا يبقى مجال لدعوى المعارضة. فحينئذ يتم الاستدلال بصحيحة زرارة على انفعال الماء القليل مطلقا.
واما ما افاده بعض الاعاظم في قوله عليه السلام: “قذر بول او جنابة”، من ان القذر ظاهر في القذارة النشوية، اي القذارة الناشئة من البول او الجنابة، فتبقى هذه القذارة بعد زوال عين البول او المني، ولكنها لا تشمل القذارة الناشئة من ملاقاة ملاقي البول او ملاقي المني، فيختص الحكم بالمتنجس الاول.
وبعبارة اخرى: يستفاد من قوله عليه السلام:
“ان ادخلت يدك في الماء قبل ان تغسلها فلا بأس، الا ان يكون اصابها قذر بول او جنابة، فان ادخلت يدك في الماء وفيها شيء من ذلك فأهرق ذلك الماء.”
ان الماء ينفعل بملاقاة اليد التي اصابها المني، سواء بقيت عين المني ام زالت.
ويدل بالمفهوم على ان يد الجنب اذا لم يصبها مني، لم ينفعل الماء بملاقاتها. وهذا المفهوم مطلق، فيشمل ما اذا لاقت يد الجنب ثوبا متنجسا بالمني، اعني المتنجس الثاني.
وكذلك خبر سماعة:
“اذا اصاب الرجل جنابة فأدخل يده في الاناء، فلا بأس اذا لم يكن اصاب يده شيء من المني.”
فقد قيل: انه يدل بالمفهوم على ثبوت البأس فيما اذا لاقت اليد المني بالمباشرة، ومقتضى اطلاق نفي البأس عند عدم ملاقاتها للمني عدم انفعال الماء بملاقاة اليد التي لاقت ثوبا متنجسا بالمني، فيقع التعارض بين هذا الاطلاق واطلاق مفهوم صحيحة زرارة.
ولكن قد عرفت منا انه لا يبعد ان يكون نفي البأس في خبر سماعة ناظرا الى نفي البأس من ناحية نفس الجنابة، بمعنى ان اليد التي يدخلها الجنب في الماء لا تكون نجسة بمجرد الجنابة، فلا توجب انفعال الماء.
وكذلك الخبر المتقدم الذي استندوا اليه، اعني خبر ابي بصير، بل ظاهره بقرينة ذكر الجنابة في صدره والحكم المترتب عليها هو ذلك، فلا يصح التمسك باطلاق هذه الاخبار لنفي محذور آخر، كالمتنجس الثاني.
مضافا الى انه لو سلم ان المراد من “قذر بول او جنابة” القذارة الناشئة من البول او الجنابة، فالمرتكز العرفي لا يفرق بين القذارة الناشئة من عين البول والقذارة الناشئة من ملاقيه. فلو اصابت ماء الشرب يد اصابها البول، او يد لاقت ثوبا اصابه البول، لم يفرق العرف بين الموردين، بل يراهما جميعا قذرين، وتنفر النفس منهما على حد سواء.
فالاقوى ان يقال: ان المستفاد من اطلاقات الروايات ومن كيفية بيانها، ان الماء القليل ينفعل بملاقاة المتنجس الاول، والمتنجس الثاني، وما بعدهما من المراتب، ما دام العرف يرى السراية والقذارة على النحو المتعارف.
بل لا يبعد دعوى شمول اطلاقات الاخبار للصور غير المتعارفة ايضا، وان لم يكن الارتكاز العرفي فيها بتلك الدرجة من الوضوح، وهي موارد يدركها المتأمل بادنى عناية.
فتأمل جيدا، والله العالم.
















ثبت دیدگاه