فقه – مباحث طهارت – جلسه 72
واما التفصيل الرابع: فهو التفصيل بين ما تدركه الحواس وما لا تدركه، كما اذا كان الدم ونحوه بحيث تراه العين او لا تراه. وقد نسب هذا التفصيل الى الشيخ الطوسي.
وظاهر كلامه عدم اختصاص الحكم بالدم، بل صرح بان الدم وغيره اذا كان مما لا تدركه العين فهو معفو عنه، لانه مما لا يمكن التحرز عنه.
فاذا كان معفوا عنه لم ينجس الماء الملاقي له.
ويمكن حمل كلامه على ان ما لا يعد عند العرف فردا لذلك الماهية لا يوجب التنجيس.
وبيانه: ان الماهية اذا لوحظت بالدقة العقلية لم يؤخذ فيها مقدار خاص من الكمية، واما بحسب الفهم العرفي فان العرف يلحظ حدا ادنى من الكمية في مفهوم اللفظ، فما كان دونه لا يعد عنده فردا لذلك العنوان، وان كان بالدقة العقلية فردا حقيقيا له.
وهذا ليس من باب الرجوع الى العرف في تشخيص المصداق، بل من باب الرجوع اليه في تحديد المفهوم، لان ذلك الحد الادنى مأخوذ عنده في مدلول اللفظ.
فاذا كان الدم بحيث لا تدركه العين، لم يكن دما عرفا، فلا تشمل ادلة انفعال الماء القليل بالدم مثله.
ومنها ما رواه: قال: سألته عن رجل رعف فاستخلط بعض ذلك الدم قطرة صغارا فأصاب اناءه، هل يصلح له الوضوء منه؟ فقال: ان لم يكن شيئا يستبين في الماء فلا بأس، وان كان شيئا بينا فلا يتوضأ منه.
وفي الرواية احتمالات:
الاول: ان تكون واردة في الشبهة المحصورة، بمعنى حصول العلم الاجمالي بوقوع الدم في الاناء، ولكن لما كان الطرف الآخر خارج الاناء ولا يترتب عليه اثر بالنسبة الى الطهارة والنجاسة، لم يكن العلم الاجمالي منجزا.
الثاني: ان تكون واردة في فرض العلم التفصيلي باصابة الدم للاناء، مع الشك في وصوله بعد ذلك الى الماء الذي فيه.
وعليه يكون الشك بدويا، فلا يعتنى به.
الثالث: ان تكون واردة في فرض اصابة الدم للماء الموجود في الاناء، بان يكون المراد من الاناء الماء الذي فيه، فتدل الرواية على هذا التفصيل.
وقد استظهر بعض الاعلام الاحتمال الثاني، بدعوى ان حمل الاناء على الماء خلاف الحقيقة، لان الاناء غير الماء، ولا قرينة على هذه العناية.
ولكن لا يبعد ان يقال: ان حمل الاناء على نفس الظرف مجردا عن الماء لا يخلو ايضا من عناية، لان الضمير في قوله: “هل يصلح له الوضوء منه” راجع الى الاناء، مع ان الوضوء حقيقة انما يكون من الماء لا من الظرف، فيكون ذلك بنفسه قرينة على ارادة الماء.
مضافا الى انه لو اريد بالاناء نفس الظرف، لكان سؤال السائل ناظرا الى الشك في وصول الدم الى الماء بعد اصابته للظرف، مع ان هذه الحيثية غير مذكورة في كلامه.
ويلزم منه لحاظ جهة في السؤال لم يتعرض لها اللفظ، وهو خلاف الظاهر.
واما اذا اريد بالاناء الماء الذي فيه، كانت هذه الحيثية بنفسها ملحوظة في السؤال، لانه يكون ناظرا الى ملاقاة الدم للماء القليل الموجود في الاناء.
فلا يبعد ترجيح الاحتمال الثالث على غيره.
ثم قال عليه السلام:
“ان لم يكن شيئا يستبين في الماء فلا بأس، وان كان شيئا بينا فلا يتوضأ منه.”
وقد يقال: ان ظاهر كلامه عليه السلام تعليق الجواز وعدمه على الاستبانة الفعلية في الماء، فاذا لم يظهر فيه شيء فلا بأس، واذا ظهر لم يجز الوضوء.
وعليه، فالملاك ليس عدم رؤية الدم حين وقوعه، بل عدم ظهوره بالفعل في الماء.
ومقتضى ذلك ان الجواز يدور مدار استهلاك الدم، وعدمه يدور مدار عدم استهلاكه.
فتكون الرواية قريبة من الاخبار الدالة على عدم انفعال الماء القليل بملاقاة النجاسة ما لم يتغير.
وان لم يقبل ذلك، فقد يعارضها خبر علي بن جعفر الوارد فيمن رعف وهو يتوضأ فوقعت قطرة دم في انائه، فسأل عن الوضوء منه، فقال عليه السلام: لا.
مع ان قطرة الدم غالبا تستهلك في الماء بعد زمان يسير ولا تبقى مرئية.
فلو كان المدار على عدم الاستبانة الفعلية، لزم الحكم بجواز الوضوء بعد زمان قليل.
فالحاصل: انه ان اريد من الاستبانة في طرفي الاثبات والنفي الاستبانة حين الملاقاة، انطبقت الرواية على هذا التفصيل.
واما ان اريد منها الاستبانة الفعلية، لم تدل عليه.
وعليه، فغاية الامر اجمال الرواية، فلا يصح التمسك بها.
















ثبت دیدگاه