فقه – مباحث طهارت – جلسه 69
الدليل الثالث: صحيحة زرارة
قال: قال أبو جعفر عليه السلام:
«ألا أحكي لكم وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله؟»
فقلنا: بلى.
فدعا بقعب فيه شيء من ماء، فوضعه بين يديه، ثم حسر عن ذراعيه، ثم غمس فيه كفه اليمنى، ثم قال عليه السلام:
«إذا كانت الكف طاهرة…» الحديث.
وجه الاستدلال
أن قوله عليه السلام: «إذا كانت الكف طاهرة» يدل بمفهومه على أنه إذا لم تكن الكف طاهرة، فلا تدخل في الماء.
وبمناسبة الحكم والموضوع يفهم العرف أن المانع هو تنجس الماء بملاقاة اليد النجسة، فإن هذا هو المرتكز عرفا.
فيستكشف أن المحذور الذي لأجله قيد الامام عليه السلام إدخال اليد بكونها طاهرة، إنما هو انفعال الماء القليل بملاقاتها.
وإلا فلا يرتكز في ذهن العرف هنا محذور تعبدي آخر يصلح أن يكون منشأ لهذا القيد، كما في بعض أبواب الغسالة ونحوها.
فتدل الصحيحة بمفهومها على انفعال الماء بملاقاة اليد النجسة، وإطلاقها يقتضي عدم الفرق بين المتنجس الاول والمتنجس الثاني.
وقد أورد على هذا الاستدلال بأن غاية ما تدل عليه الرواية أن الامام عليه السلام غمس يده في الماء وقال: «إذا كانت الكف طاهرة»، فيكون مفهومه: إذا لم تكن طاهرة فليس كذلك.
إلا أن المشار إليه غير معلوم، فلا يدرى ما الذي ينتفي عند انتفاء طهارة الكف.
فلعل مراده عليه السلام أنه إذا لم تكن الكف طاهرة، لم يجز الشروع في الوضوء؛ لأن من شرائط صحته طهارة أعضاء الوضوء، فلا بد من تطهيرها أولا ثم الشروع في الوضوء.
وعليه، فالرواية محتملة لوجهين:
الاول: أن يكون إدخال اليد في الإناء بقصد تطهيرها، فيكون المنع ناشئا من انفعال الماء بملاقاتها.
الثاني: أن يكون إدخالها بقصد الابتداء بالوضوء.
فعلى الاول تدل الرواية على انفعال الماء بملاقاة اليد النجسة.
وعلى الثاني يكون مفادها أنه لا يجوز الشروع في الوضوء مع نجاسة اليد، وأن الوضوء لا يصح مع عدم طهارة العضو.
ومن هنا قيل بعدم تمامية الاستدلال بها.
أقول:
يمكن الجواب بأنه لا فرق بين هذين الاحتمالين، سواء كانت الرواية في مقام بيان كيفية الوضوء، كما هو غير بعيد من ظاهرها، أم لم تكن.
فإن المهم أن الامام عليه السلام قيد إدخال الكف بقوله: «إذا كانت الكف طاهرة».
وهذا القيد بنفسه ظاهر في أن اليد لو كانت نجسة ثم أدخلت في الماء لأوجبت انفعاله، على الاطلاق.
إذ لو لم تكن ملاقاة اليد النجسة موجبة لانفعال الماء، لما كان لذكر هذا القيد وجه، إذ حينئذ لا ينجس الماء، ويصح الوضوء به وإن كانت اليد نجسة.
فذكر هذا القيد ظاهر في التنبيه على قاعدة كلية، وهي أن هذا الماء ينفعل بملاقاة النجاسة، ولذلك اعتبر طهارة الكف قبل إدخالها فيه.
فلا أثر لاختلاف الاحتمالين في دلالة الرواية، وبأدنى تأمل يظهر ذلك.
















ثبت دیدگاه