فقه – مباحث طهارت – جلسه 58
مساله : قال في العروة: الماء الراكد الكر المتصل بالماء الجاري حكمه حكم الجاري، فالحوض المتصل بالنهر أو بالساقية المتصلة به يكون تابعا لحكمه. وكذا جوانب النهر وأطرافه، فإنها بحكم الجاري وإن كان ماؤها راكدا غير جار.
ووجهه ظاهر، فإنه لو كان موضوع الحكم بالاعتصام عنوان الماء الجاري، لكان الجمود على ظاهر اللفظ يقتضي اعتبار فعلية الجريان، لأن ظاهر الجاري هو التلبس الفعلي بالمبدأ.
ولكن بعد ما تقدم أن الموضوع هو الماء ذو المادة، فلا إشكال في صدق هذا العنوان في المقام، لأن الماء الراكد المفروض يستمد من المادة، وكلما نقص منه شيء خلفته المادة، فيصدق عليه عرفا أنه ذو مادة، فيحكم باعتصامه.
اقول: كما تقدم منا، لا مانع من الاستدلال بعنوان الماء الجاري أيضا، ولعل السيد قدس سره رأى نوع مشابهة بين هذا الماء وبين الجاري فألحقه به.
ويمكن أن يقال: إن الماء الراكد تارة يكون متصلا بالمادة، فيكون حكمه حكم سائر المياه ذوات المادة، قليلا كان أو كثيرا.
وأخرى يكون متصلا بالماء الجاري، وعنوان الجاري يشتمل – مضافا إلى المادة – على الجريان والسيلان، فكأن نفس السيلان بمنزلة المخزن والمنشأ للقاهرية والاعتصام، فإذا اتصل الراكد بالمادة كان بحكم ذي المادة، وإذا اتصل بالجاري ألحق به.
نعم، بين الموردين فرق في الجملة في بعض الأحكام، ولا سيما في الماء القليل.
ويؤيده صحيحة ابن أبي يعفور، قال: قال عليه السلام: «إن ماء الحمام كماء النهر، يطهر بعضه بعضا».
فكأن عنوان الجاري بنفسه متضمن لمعنى المادة، أعني الجريان الطبيعي الناشئ من المواد الطبيعية. وسيأتي إن شاء الله تعالى في مباحث الماء الراكد مزيد توضيح لذلك. فافهم.
مسألة: العيون التي تنبع في فصل الشتاء مثلا وتنقطع في الصيف، فهي في زمان نبعها ملحقة بحكم النابع، فلها حكم العين حال نبعها.
وقد تقدم منا أن الدوام بالمعنى المقابل للنبع الفصلي ليس بشرط ولا معتبر.
فموضوع الاعتصام هو الماء النابع ذو المادة، أو الماء المتصل بالمادة بالفعل، وقد عرفت أن دوام النبع في جميع فصول السنة لا يستفاد من الأدلة، وليس من مقومات المادة.
فالمأخوذ في الأدلة، ولا سيما صحيحة ابن بزيع وروايات الماء الجاري، إنما هو وجود المادة، لا استمرارها في جميع الأزمنة.
فلا ينبغي الخلط بين معنيين للدوام:
أحدهما: الدوام في مقابل المادة الجعلية، أعني ما يعد عرفا منبعا حقيقيا وطبيعيا للماء، لا الماء المجتمع على نحو عارض أو مصنوع، فهذا المقدار من الدوام العرفي معتبر في صدق المادة.
وثانيهما: الدوام في مقابل النبع الفصلي، بمعنى الجريان في جميع فصول السنة، وهذا لا شاهد عليه في الأدلة.
فالعين التي تنبع في فصل أو فصلين تكون في زمان نبعها متصلة بالمادة بالفعل، ويصدق عليها عرفا أنها ذات مادة، ولا يقدح انقطاعها في بعض السنة في صدق هذا العنوان.
لا يقال: لما لم تكن هذه العين دائمة، وكان نبعها مختصا بفصل خاص، فلا يصدق عليها أنها ذات مادة.
فإنه يقال: صدق المادة يدور مدار الاستمداد العرفي حال الفعلية، لا مدار الاستمرار في جميع أيام السنة، والارتكاز العرفي والمتشرعي أيضا يساعد على أن العين التي تنبع في الشتاء مثلا تعد ذات مادة.
فاشتراط الدوام بمعنى الاستمرار السنوي لا يستفاد لا من الأدلة الشرعية ولا من الفهم العرفي.
وعليه، فهذه العيون الفصلية في زمان نبعها يصدق عليها قطعا أنها ذات مادة، فتترتب عليها جميع أحكام الماء النابع المعتصم، وأما عند انقطاعها فيكون حكمها حكم الماء الراكد. فتأمل جيدا.
مسألة: إذا تغير بعض الجاري دون بعضه الآخر، فالطرف المتصل بالمادة لا ينجس بالملاقاة وإن كان قليلا، والطرف الآخر حكمه حكم الراكد إن تغير تمام قطر ذلك البعض المتغير، وإلا فالمتنجس هو المقدار المتغير فقط لاتصاله بالمادة.
إذا تغير بعض الماء الجاري بالملاقاة دون بعضه، فما حكم أجزائه المختلفة، ولا سيما إذا وقع التغير في وسطه؟
الفرض الأول: أن يقع التغير في القسم المتوسط من الماء الجاري.
أما أولا، فلا إشكال في نجاسة المقدار المتغير، لأن التغير أمارة تحقق النجاسة.
وأما ثانيا، فالقسم الواقع بين المادة وموضع التغير فهو محكوم بالطهارة والاعتصام جزما، لأنه لا يزال متصلا بالمادة، ولم ينقطع استمداده منها.
















ثبت دیدگاه