فقه – مباحث طهارت – جلسه 28
كان حاصل البحث أنّ التغيّر المأخوذ في لسان الأدلّة: هل هو التغيّر الحسّي، أو يكفي فيه التغيّر التقديري؟
وبعبارةٍ أخرى: هل التغيّر المذكور في النصوص إنّما جُعل طريقا وكاشفا عن وقوع مقدار مخصوصٍ من النجاسة في الماء، بحيث يكون المدار في الحكم هو وجود ذلك المقدار، سواء ظهر أثر التغيّر أم لم يظهر؟ فعلى هذا يكون التغيّر الحسي مجرد أمارة، ويكفي التغير التقديري.
أو أنّ التغيّر بنفسه، أعني تغيّر اللون أو الطعم أو الريح على وجهٍ محسوس، قد أُخذ موضوعا للحكم بالنجاسة، فيكون المدار على تحقّق هذا العنوان خارجاً، لا على مجرّد وجود مقدار معيّن من النجاسة؟
وقد ذكرنا أنّ ظاهر الروايات هو الثاني؛ فإنّها رتّبت الحكم على عنوان التغيّر نفسه، لا على أمرٍ آخر يكون التغيّر طريقا إليه. على أنّ جعل التغيّر مجرّد طريقٍ إلى مقدارٍ مجهول من النجاسة، يوجب إرجاع الحكم إلى أمر لا سبيل إلى إحرازه غالباً، إذ لا طريق لنا الى معرفة ذلك المقدار المخصوص.
ولتوضيح المقام، يقع الكلام في أسباب عدم ظهور التغيّر، وهي على ثلاثة أنحاء:
الأوّل: قصور المقتضي
كما لو كان الدم قد تغيّر بمرور الزمان، فذهب لونُه وصار إلى الصفرة، أو كانت رائحة الميتة قد ضعفت بحيث لم يبق لها الأثر السابق، مع بقاء عين النجاسة على حالها.
أو كان الماء بالأمس يتأثّر بهذه النجاسة، ثم تغيّرت خصوصيّاته فلم يعد قابلا للتأثّر بها.
ففي جميع ذلك يكون المقتضي للتغيير قاصراً، لزوال الخصوصيّة المؤثّرة في النجاسة، فكأنّها قد سلبت أوصافها.
الثاني: فقد الشرط
كما إذا كان الهواء بالأمس حارّا، بحيث لو وقعت الميتة في الماء لتغيّر وتعفّن، ثم صار الزمان زمان الشتاء، فانتفى الشرط الذي يتوقّف عليه ظهور الأثر، وهو الحرارة، فلم يحصل التغيّر.
الثالث: وجود المانع
وهو ما إذا كان المقتضي تاماً، والشرائط متوفرة، غير أن مانعاً حال دون إدراك التغيّر.
كما إذا كان الماء مائلا إلى الحمرة قبل وقوع الدم فيه، فلم تظهر حمرة جديدة بعد وقوعه.
أو كان الماء قد تعفّن سابقا بمجاورة ميتة، ثم وقعت فيه ميتة أُخرى لها قابليّة إيجاد التعفّن، إلا أنّ الرائحة الجديدة لم تدرك؛ لسبق وجود مثلها.
ثم إنّ الميزان عندنا هو صدق التغيّر عرفا، بمعنى أن يرى العرف أنّ الماء قد تغيّر بسبب انتشار أجزاء النجاسة فيه.
ففي الفرض الأوّل، أعني قصور المقتضي، لا يتحقّق تغير فعلي ولا حسي، لأنّ النجاسة بنفسها لم تعد صالحة لإحداث الأثر.
وقد تقدّم أنّ التغيّر إنّما يوجب النجاسة إذا استند استقلالا إلى ملاقاة النجاسة.
ومن هنا، فلو كان التغيّر مستندا إلى أمرين، كالنجاسة والتفاعلات الطبيعيّة أو الكيميائيّة معاً، بحيث لم يكن مستنداً إلى النجاسة استقلالا، لم يثبت الحكم بالنجاسة.
نعم، لو كانت الحرارة مثلا موجبة لتعجيل التعفّن لا لإيجاد وصفٍ آخر، وكان منشأ التغيّر حقيقة هو الميتة، استند التغيّر إليها، وثبت الحكم بالنجاسة.
وعلى هذا، ففي الفرضين الأوّلين، أعني قصور المقتضي وفقد الشرط، لا يكفي التغيّر التقديري بلا إشكال.
وأمّا الفرض الثالث، وهو وجود المانع عن الإدراك، فالظاهر أنّ التغيّر قد تحقّق واقعا، واستند إلى انتشار أجزاء النجاسة في الماء، وإنّما لم يُدرَك لوجود المانع.
ومثاله من ينظر إلى الماء بعينٍ عليها زجاج ملوّن، فيراه على لونٍ خاص، مع أنّ الدم قد غيّر لونه واقعاً.
فحينئذ يمكن القول بكفاية التغيّر التقديری في هذا الفرض؛ لأنّ التغيّر قد وجد خارجا، وإنّما ارتفع إدراكه الحسّي لقيام المانع.
ومن هنا، وإن ذكر المحقق الیزدی في العروة:
««وأن يكون التغيّر حسّيا، فالتقديري لا يضرّ.»»
إلا أنه بناء على هذا التفصيل، فالاحوط بل الاقوى الحكم بالنجاسة في الفرض الثالث؛ لأنّ التغيّر مستند إلى النجاسة حقيقة، وإنّما امتنع الإحساس به لوجود المانع، لا لعدم تحقّقه في الخارج.
















ثبت دیدگاه