فقه – مباحث طهارت – جلسه 26
كان البحث في تغيّر الماء، وقد تقدم أنّ جميع أقسام المياه مشتركة في هذا الحكم. وقد تقدّم الكلام في شرطين:
الأول: أن يكون التغيّر مستنداً إلى ملاقاة النجاسة، فلا يكفي مجرد المجاورة.
الثاني: أن يكون التغيّر بأوصاف النجاسة، لا بأوصاف المتنجس؛ فلا يكفي أن يتغيّر الماء بصفات المتنجس بما هو متنجس، بل لا بد أن يكون التغيّر بأوصاف نفس النجس.
نعم، قد تقدم أنّ المتنجس إذا كان حاملاً لأجزاء النجاسة أو لآثارها وأوصافها، كما لو ألقي ماء متنجس برائحة الميتة في الماء الكر، فليس ببعيد كفاية ذلك في الحكم بالنجاسة.
وأما الكلام في المقام، فهو أن أوصاف النجاسة على أنحاء:
الأول: الأوصاف النوعية للنجاسات، كأوصاف الميتة والدم والمني والبول ونحوها، فإن لكل واحد منها صفات نوعية مخصوصة، ولا إشكال في أنّ انتقال هذه الأوصاف إلى الماء وتغيّره بها يوجب نجاسته، كما في حمرة الدم أو نتن الميتة.
الثاني: أن تنتقل تلك الأوصاف نفسها ولكن بمرتبة أضعف، كما إذا كانت رائحة الماء دون رائحة الميتة، مع بقاء سنخ الوصف بعينه، والظاهر أيضاً عدم الإشكال في هذا القسم؛ لصدق التغيّر بأوصاف النجاسة، وإن كانت بمرتبة نازلة.
الثالث: أن يحدث من امتزاج النجاسة بالماء، ولا سيما إذا كان الماء مشتملاً على بعض الأملاح أو الخصوصيات الطبيعية، وصف ثالث ليس هو وصف النجاسة ولا وصف الماء، كما إذا كان الماء كبريتياً أو كلسياً، فحصل من امتزاجه بالنجاسة لون جديد ليس لون النجاسة ولا لون الماء.
وكذلك لو كان للماء لون خاص، ثم وقع فيه البول فتولد لون آخر لا يصدق عليه أنه لون البول ولا لون الماء الأول. فهذا هو محل الكلام؛ لأن التغيّر هنا ليس مجرد انتقال أوصاف النجاسة، بل هو أثر ناشئ من امتزاج النجاسة بخصوصيات الماء.
وقد ذكر صاحب الجواهر أن مطلقات باب التغيّر محمولة على الروايات المشتملة على الأمثلة، كقوله عليه السلام:
> «كلما غلب الماء جيفة الريح فتوضأ منه.»
وعليه، فلو فرض وجود إطلاق في الباب، فهو منصرف إلى هذه الموارد، أو يحمل المطلق على المقيد.
إلا أنه يمكن المناقشة فيه؛ فإن ذيل هذه الروايات قد علق الحكم على عنوان «تغيّر الماء» أو «تغيّر الطعم» ونحو ذلك، وهو عنوان مطلق يشمل ما إذا كان التغيّر بنفس وصف النجاسة، أو بوصف ثالث تولد من امتزاجها بالماء.
ومن هنا يظهر أن تقديم صدر الرواية على ذيلها ليس ضابطاً كلياً، بل المدار على موضع جعل الحكم. وفي المقام قد جعل الحكم على عنوان التغيّر، وأما صدر الرواية فليس إلا مورداً لبيان المقدمة أو المثال.
وكذلك يظهر هذا المعنى في غير واحد من الأخبار، كقوله عليه السلام:
> «عن الماء المنتن تقع فيه الدواب، فقال: إن تغيّر الماء فلا تتوضأ منه…»
فيمكن أن يقال: إن الروايات بصدد بيان ضابطة كلية، وهي غلبة النجاسة وتأثيرها في الماء، وأما الأمثلة المذكورة فيها فمن باب ذكر الفرد الغالب، لا لتقييد الحكم. وقد تقرر في الأصول أن ذكر الفرد الغالب لا يوجب حمل المطلق على المقيد.
فالحاصل: هل يستفاد من مجموع الروايات أن المدار على كون النجاسة منشأً للتغيّر، سواء كان التغيّر بنفس أوصافها أو بوصف ثالث تولد من امتزاجها بالماء؟ الظاهر إمكان دعوى هذا الظهور.
ولعل مراد السيد في العروة أيضاً ذلك، وهو أن كل تغيّر كان مستنداً إلى تأثير النجاسة، وإن كان الأثر وصفاً ثالثاً، فهو موجب للحكم بالنجاسة.
وعليه، فالميزان هو غلبة النجاسة وتأثيرها، وأن المدار على مطلق التغيّر المستند إليها، من غير فرق بين أن يكون التغيّر بنفس أوصاف النجاسة أو بما تولد من امتزاجها بخصوصيات الماء.
إلا أن جميع ذلك إنما يتم إذا لم ينهض ما يقتضي صرف هذه الإطلاقات. ويمكن أن يقال في المقابل: كما حملتم المقيدات على مورد الغالب، فلم لا تحملون المطلقات أيضاً على الفرد الغالب؟ ولم لا يدعى انصرافها إليه؟
وعليه، فليس ببعيد دعوى انصراف المطلقات أيضاً إلى الموارد المتعارفة، فإن الإطلاقات كثيراً ما تنصرف عن الأفراد النادرة، ولا سيما مع مناسبة الحكم والموضوع، وملاحظة الموارد المذكورة في الروايات، فيكون الظاهر منها خصوص ما يصدق عليه عرفاً عنوان التغيّر بالنجاسة.
وأما القسم الثالث، ففي صدق هذا العنوان عليه تأمل؛ إذ قد يكون التغيّر ناشئاً من تفاعلات وخصوصيات مادية، لا من نفس أوصاف النجاسة. فمع أن الروايات علقت الحكم على عنوان التغيّر، إلا أن القدر المتيقن منها هو التغيّر بالنجاسة، وأما صدق هذا العنوان في القسم الثالث فهو محل إشكال وتأمل.
















ثبت دیدگاه