فقه – مباحث طهارت – جلسه ا
بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين، سيما بقية الله في الارضين، ولعنة الله على اعدائهم اجمعين.
كتاب الطهارة
الاشارة
وحيث ان التعرض لمعاني الطهارة لا يترتب عليه كثير فائدة في المقام، فقد صرفنا الكلام عن البحث في حقيقتها ومعناها الى بيان اقسامها وما يترتب عليها من الاحكام. وقبل الشروع في ذلك، لا بد من تقديم بحث عن المياه واقسامها، فان معرفة الطهارة واحكامها متوقفة على معرفة اقسام المياه وما يتعلق بها من الاحكام.
فصل في المياه
اعلم ان في الشريعة المقدسة احكاما كثيرة قد علقت على عنوان الماء المطلق؛ فان الماء هو الذي يذهب الخبث ويطهر النجاسات، كالدم والبول والغائط ونحوها، كما ان رفع الحدث الاكبر والاصغر، والوضوء والغسل، كلها منوطة بالماء. ومن هنا وجب معرفة حقيقة الماء ومفهوم هذا اللفظ على نحو جامع، ليكون ذلك مدارا للاحكام الشرعية المترتبة عليه.
ولا يخفى ان جميع المياه في اصل الخلقة محكومة بالطهارة، وقابلة للتطهير من الحدث والخبث في الجملة، وهذا مما اتفق عليه الفقهاء، بل هو من ضروريات الاسلام.
ثم ان حقيقة الماء عند العرف، في كل لغة، امر واضح ومعلوم، الا ان وضوح المفهوم العرفي لا يمنع من وقوع الشك في بعض الموارد، اذ قد لا يكون صدق عنوان الماء المطلق ظاهرا في بعض الحالات، كما اذا امتزج الماء بشيء قليل من السكر او الملح او ماء الورد، فيقع السؤال: هل يبقى هذا ماء مطلقا ام لا؟ كالماء المالح ونحوه.
وقد ظهر مما ذكرنا ان مفهوم الماء، كسائر المفاهيم العرفية، له مصاديق واضحة لا اشكال فيها، وله مصاديق مشكوكة يقع الكلام في صدق العنوان عليها، اذ لا يوجد مفهوم عرفي لا يحتمل الاشتباه في جميع افراده. وعليه، ففي كل مورد وقع الشك في صدق عنوان الماء، يرجع الى الاصل الجاري في ذلك المورد.
فمثلا: اذا امتزج الماء بمقدار قليل من السكر او الملح، وشك في بقاء صدق الماء عليه، يرجع الى استصحاب بقاء المائية، ويحكم ببقاء كونه ماء مطلقا، فتترتب عليه احكام رفع الحدث وازالة الخبث.
واما الماء المالح الخارج من منبعه، فحيث وقع الشك في كونه ماء مطلقا او لا، يرجع فيه الى الاصل، الا ان طهارته الذاتية ثابتة، وان لم يكن صالحا لرفع الحدث او ازالة الخبث. وهذه الموارد كلها من قبيل الشبهات المفهومية.
واما الشبهات الموضوعية، فهي ما كان مفهوم الماء فيها معلوما، ولكن وقع الشك في المصداق الخارجي، كما اذا شككنا في مائع معين: هل هو ماء او شراب، كشراب البرتقال او العنب. ففي مثل هذه الموارد، اذا لاقى ذلك المائع النجاسة، جرى فيه اصل الطهارة، واما الحكم بكونه رافعا للحدث او مطهرا للخبث فلا يمكن اثباته؛ لعدم احراز موضوعه.
ولا يخفى عليك ان الماء على قسمين: ماء مطلق وماء مضاف. فالماء المضاف هو تارة ما كان ماخوذا من الاجسام، كماء الرمان ونحوه، واخرى ما كان ممتزجا بغيره امتزاجا يخرجه عن صدق اسم الماء، بحيث لا يطلق عليه لفظ الماء الا مع العناية والمسامحة.
والمعيار في ذلك ما ذكره صاحب العروة من التمثيل بالقسمين المذكورين؛ فان الماء الماخوذ من الاجسام لا يصدق عليه اسم الماء حقيقة، وكذلك الماء الممتزج بغيره اذا بلغ الامتزاج حدا يمنع من صدق اسم الماء عليه عرفا.
نعم، قد يكون الامتزاج بمقدار يسير من الملح او التراب ونحوهما، بحيث لا يوجب خروج الماء عن صدق الاسم، فيقال عرفا: هذا ماء. واما اذا بلغ الامتزاج مقدارا لا يصح معه اطلاق اسم الماء الا بنحو من العناية، كان ذلك ماء مضافا.
وعلى هذا الضابط يظهر الفرق بين الماء المطلق والماء المضاف؛ فان المدار هو صدق اسم الماء حقيقة وعدم صدقه. ولذلك لا تعد بعض المائعات من الماء المطلق ولا من الماء المضاف اصلا، كالزيت والشيرة والسمن والدهن والنفط ونحوها؛ لانها ليست ماء حقيقة حتى توصف بالاطلاق او الاضافة.
وحاصل الكلام: ان الماء المطلق هو ما يصح اطلاق لفظ الماء عليه بلا قيد، بحسب المرتكز العرفي، واما ما لا يصح اطلاق اسم الماء عليه الا بالعناية فهو الماء المضاف. وعليه، تختص الاحكام التي جعلها الشارع للمياه بالماء المطلق دون غيره.
وقد ذكر صاحب العروة في كتابه ان الماء المطلق ينقسم الى ستة اقسام: الجاري، والنابع غير الجاري، والبئر، والمطر، والكر، والقليل. وكل واحد من هذه الاقسام طاهر في نفسه ومطهر من الحدث والخبث، ما لم يلاق النجاسة على الوجه المعتبر شرعا.
وظاهر هذا التقسيم انما هو قائم على ملاحظة اختلاف الاحكام؛ فان اقسام المياه المطلقة التي سيذكرها بعد ذلك، وان كانت تشترك في جملة من الاحكام، الا ان لبعضها احكاما خاصة بها، كما هو الحال في ماء البئر والماء الجاري، فانهما يختلفان في حكم الانفعال، وكذلك في كيفية التطهير على مبنى القدماء.
ومن هنا يمكن ان يقال: ان تخصيص ماء البئر بالذكر دون غيره لعله من جهة ورود لفظ البئر في الروايات الخاصة، حيث ورد له حكم مستقل في بعض النصوص. وحيث ان هذا التقسيم مبني على اعتبار اختلاف الاحكام، كان الانسب عدم ذكر النابع غير الجاري؛ لان النابع غير الجاري يكون بمنزلة الجاري في الحكم في الجملة.
الا انه يمكن دفع ذلك بان يقال: ان هناك بعض الموارد التي سيأتي التعرض لها فيما بعد، لا يشملها عنوان النابع غير الجاري، مع صدق عنوان الجاري عليها، وان كان صاحب العروة لم يتعرض لهذا التفصيل ولم يشير اليه.
واما صاحب الشرائع فقد قسم الماء الى ثلاثة اقسام: الجاري، والراكد وهو الماء المحقون، وماء البئر، ولم يذكر ماء المطر. ولعل الوجه في ذلك ان المشهور، وكذلك المحقق، حيث كان نظرهم في مقام بيان احكام المياه الى المياه الموجودة في الارض، لم يتعرضوا لماء المطر. ويحتمل ايضا ان يكون ذلك باعتبار رجوع اصل جميع المياه الى السماء، فلا يحتاج الى جعل المطر قسما مستقلا.
وكيف كان، فكان المناسب في مقام التقسيم ان يضاف قسم آخر، وهو ماء الانهار والشطوط التي يكون منشؤها ذوبان الثلوج ونزول الامطار؛ فان ثلوج الجبال تذوب تدريجيا وتجري منها المياه، وهذا الماء يعد قسما آخر من اقسام المياه.
الا ان يقال: ان هذا القسم اما ان يرجع الى احد الاقسام المذكورة من حيث الحكم، واما ان يقال ان الماء الجاري في الانهار والشطوط، ما دام جاريا ولم يصل بعد الى مقصد معين، له حكم خاص، وهذا مما سيأتي البحث عنه مستقبلا ان شاء الله تعالى.
ولعل مراد صاحب العروة من حيث انه ذكر في آخر تقسيمه قسمي القليل والكر، انه ادخل ماء الانهار والشطوط في احد هذين القسمين باعتبار الحكم، ولم يجعله قسما مستقلا.
ثم قال: ان هذه الاقسام الستة من الماء المطلق طاهرة في نفسها ومطهرة لغيرها، مضافا الى الاجماع والضرورة التي تقدم ذكرها في ابتداء البحث، ويمكن الاستدلال ايضا على طهارة الماء المطلق ومطهريته من الكتاب العزيز والاحاديث الشريفة الواردة في هذا الباب.
















ثبت دیدگاه