فقه – مباحث طهارت – جلسه 5
ثم انا قد ذكرنا فيما تقدم انه يمكن استفادة ضابطة كلية من مجموع الاخبار المتقدمة، وهي ان كل ماء كان كرا، او كان ذا مادة، او كان جاريا، فانه لا ينفعل بمجرد ملاقاة النجاسة، الا فيما خرج بالدليل الخاص.
ثم ذكرنا ان من افراد الخارج عن هذه القاعدة الماء القليل، حيث دلت عليه اخبار كثيرة مستفيضة، بل ربما ادعي تواترها معنى، على انه ينفعل بملاقاة النجاسة.
الا انه قد ورد في قبال هذه الطائفة اخبار يظهر منها عدم انفعال الماء القليل بالملاقاة، فلا بد من التعرض لها والنظر في كيفية الجمع بينها وبين ما تقدم.
فمنها رواية ابي مريم الانصاري، قال: كنت مع ابي عبد الله عليه السلام في حائط، فحضرت الصلاة، فنزع دلوا من بئر ليتوضأ، فإذا في الدلو قطعة عذرة يابسة، فاكفأ الدلو ثم توضأ من الماء الباقي.
وظاهر لفظ العذرة ارادة عذرة الانسان، كما هو المتفاهم منها عند الاطلاق.
وقد استدل بهذه الرواية على عدم انفعال الماء القليل، بدعوى ان الماء الموجود في الدلو قليل قطعا، ومع ذلك توضأ الامام عليه السلام منه بعد اراقة ما في الدلو.
وحمل الدلو على وعاء يسع كرا من الماء في غاية البعد، كما ان حمل العذرة على عذرة مأكول اللحم ابعد، وفيه ما لا يخفى.
ومنها رواية محمد بن ميسر، قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الجنب ينتهي الى الماء القليل وليس معه اناء يغترف به، ويداه قذرتان، قال: يدخل يده فيه ثم يتوضأ ويغتسل، وقال: «هذا مما قال الله عز وجل: ما جعل عليكم في الدين من حرج».
ولا يخفى ان لفظ القليل ظاهر فيما دون الكر، وحمله على الكر خلاف الظاهر، كما ان المراد بالوضوء هنا الغسل والتنظيف، لا الوضوء الشرعي، لاستحالة اجتماعه مع غسل الجنابة.
فمفاد الرواية ان الماء القليل لا ينجس بمجرد ملاقاة اليد المتنجسة، ولذلك استدل بها القائلون بعدم انفعاله، وحملوا الاخبار الناهية عن استعمال الماء القليل بعد الملاقاة على الكراهة مع الاختيار، وقالوا: اما مع الانحصار كما في مورد الرواية فلا كراهة ايضا، كما حملوا الاخبار الآمرة باراقة الماء على الاستحباب.
ولكن الانصاف ان جميع هذه المحامل بعيدة عن ظواهر الاخبار، ومخالفة لما استقر عليه عمل معظم الاصحاب، فتأمل.
وقد تقدم ان الاخبار الدالة على انفعال الماء القليل على طائفتين:
الاولى: الاخبار الواردة في موارد خاصة، كصحيحة علي بن جعفر في الدم ونحوها.
والثانية: الاخبار الواردة في بيان حكم الكر، الدالة بمفهومها على انفعال ما دونه.
ومن اوضحها صحيحة محمد بن مسلم عن ابي عبد الله عليه السلام، قال: قلت له: الغدير فيه ماء مجتمع تبول فيه الدواب، وتلغ فيه الكلاب، ويغتسل فيه الجنب؟ فقال عليه السلام: «اذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شيء».
ومثلها غيرها من الاخبار الكثيرة الدالة على ان الماء اذا بلغ قدر كر لا ينجسه شيء.
وقد استدل بمفهوم هذه النصوص على ان الماء اذا لم يبلغ قدر الكر انفعل بملاقاة النجاسة.
الا انه ينبغي الالتفات الى ان نقيض السالبة الكلية موجبة جزئية، فلا يثبت بمفهومها الا ان بعض افراد ما دون الكر ينجس ببعض النجاسات، لا ان كل ماء قليل ينجس بكل نجاسة.
ومن هنا ربما قيل: ان القدر المتيقن من هذا المفهوم هو النجاسات التي وردت النصوص الخاصة فيها، كالكلب والخنزير والخمر، دون غيرها.
فمنها صحيحة البقباق في سؤر الكلب، قال عليه السلام: «انه رجس نجس، لا تتوضأ بفضله، واصبب ذلك الماء، واغسله بالتراب اول مرة ثم بالماء»، وسيأتي الكلام فيها في باب الاواني.
ومنها صحيحة محمد بن مسلم في الكلب يشرب من الاناء، قال عليه السلام: «اغسل الاناء».
ومنها صحيحة علي بن جعفر عن اخيه موسى عليه السلام في الخنزير يشرب من الاناء، قال: «اغسله سبع مرات».
ونظائرها كثيرة.
وعليه، يمكن اثبات انفعال الماء القليل بالنسبة الى هذه الموارد الخاصة بضم مفهوم اخبار الكر الى تلك النصوص.
واما التعدي الى سائر النجاسات، فلا يخلو من اشكال، إذ لا عموم لمفهوم اخبار الكر بحيث يشمل جميع افراد النجاسات، وانما الثابت منه بالمقدار المتيقن هو ما قامت عليه القرينة الخاصة.
بل قد يناقش في اصل ثبوت المفهوم لهذه الاخبار، بدعوى ان القضية الشرطية فيها سيقت لبيان تحقق الموضوع، لا لافادة المفهوم، فان الكرية حد لموضوع عدم الانفعال، فهي من قبيل قولهم: «ان رزقت ولدا فاختنه»، حيث لا مفهوم لها عند الاصوليين، لان الشرط فيها لبيان الموضوع، لا لتعليق الحكم على وجه ينتفي بانتفائه.
وهذا تمام الكلام في الاخبار والجمع بينها.
واما كلمات الاصحاب، فقد ذهب اكثرهم، بل كاد ان يكون اجماعا، الى ان الماء القليل ينفعل بملاقاة مطلق النجاسة، بل والمتنجس ايضا.
ولم يعرف الخلاف من القدماء الا من ابن ابي عقيل والشيخ الصدوق.
فقد قال الصدوق في الفقيه: من دخل الحمام ولم يكن معه اناء يغترف به، وكانت يداه قذرتين، فليدخل يده في الماء وليقل: بسم الله، فان الله عز وجل يقول: «وما جعل عليكم في الدين من حرج». وذكر نظير ذلك في الجنب ايضا.
وظاهر كلامه، تبعا لرواية محمد بن ميسر، عدم انفعال الماء القليل، ويؤيده استشهاده بالآية المباركة، إذ لو كان الماء كرا لم يكن للاستدلال بها كبير مناسبة.
كما نسب هذا القول الى جماعة من المتأخرين، منهم فخر المحققين، والمحدث الكاشاني، والسيد عبد الله الشوشتري، على ما حكاه في مفتاح الكرامة.
نعم، قد يقال: ان مراد الصدوق خصوص حال الاضطرار، كما يشعر به تقييده بعدم وجود الاناء، الا انه يمكن دفعه بان هذا القيد لعله سيق لرفع الكراهة، لا لنفي الانفعال.
وكيف كان، فان مخالفة هذين العلمين لا توجب سقوط دعوى الشهرة، فضلا عن الاجماع، وان كانت مانعة من دعوى الاجماع الكاشف بالمعنى المصطلح، لظهور الخلاف منهما، نعم قد يقال: ان الاجماع المدركي في المقام لا يخلو من قوة، فتأمل.
هذا كله، مع ان اعراض معظم الاصحاب عن الاخبار الدالة على عدم انفعال الماء القليل مما يوجب وهنا في حجيتها، ويقتضي ترجيح الطائفة الدالة على انفعال الماء القليل بملاقاة مطلق النجاسة، وهو الذي تقتضيه صناعة الجمع بين الادلة، والله العالم.
فتدبر جيدا.
















ثبت دیدگاه