اصول – مباحث الفاظ – جلسه 67
واما المقام الثانی:
بعدما عرفت ان لفظ «امر» يدل على الوجوب، سواء من جهة المادة او من جهة الصيغة، يقع الكلام في ان ما هو الملاك والمناط في دلالة الامر على الوجوب، سواء في المادة او في الصيغة؟
وفي المقام ثلاثة مسالك ونظريات معروفة:
النظرية الاولى: الوضع
ومعنى ذلك ان لفظ «امر» وضع للدلالة على حصة خاصة من الطلب، وهي الطلب الوجوبي. وهذا المسلك يتوقف على بطلان المسلكين الاخرين.
والدليل على الوضع هو الوجدان العرفي، بتقريب ان العقلاء والعرف يرون انه اذا امر المولى عبده بشيء فعصى العبد، صح للمولى ان يعاقبه، وهذا يكشف عن ان لفظ الامر يدل بالوضع على الوجوب.
وهذا هو مسلك المشهور من الاصوليين.
النظرية الثانية: حكم العقل
وهو قول المحقق النائيني والمحقق البروجردي ومن تبعهما، وحاصله ان دلالة لفظ الامر على الوجوب انما هي بحكم العقل.
النظرية الثالثة: الاطلاق ومقدمات الحكمة
وهو قول صاحب الكفاية والمحقق العراقي، حيث ذهبوا الى ان دلالة لفظ الامر على الوجوب انما تكون بالاطلاق ومقدمات الحكمة.
توضيح المسلك الثاني:
ان المدلول اللفظي للامر، سواء كان مادة او صيغة، هو نفس الطلب، بمعنى تصدي المولى لتحصيل الفعل من المكلف.
فحين يقول المولى: «امرك» او «صل»، يكون مفاد كلامه انه يطلب فعل الصلاة من المكلف.
وهذا الطلب، اعني تصدي المولى لتحصيل الفعل من المكلف والعبد، تارة يكون مقترنا بقرينة متصلة او منفصلة تدل على انه لا باس بالترك.
واخرى يكون امر المولى لعبده بتحصيل الفعل منه خاليا عن قرينة متصلة او منفصلة تدل على جواز الترك.
وقبل ان نتعرض لهذين القسمين، من المناسب ان نذكر مقدمة في المقام.
فنقول: سيأتي في المباحث الاتية ان حقيقة الطلب عبارة عن وجود انشائي اعتباري، وموطنه عالم الاعتبار، وهذا الطلب ينتزع من الجمل الانشائية البعثية.
كما ان الطلب ينقسم الى قسمين: طلب الزامي ايجابي، وطلب ندبي استحبابي.
فما الذي يوجب امتياز احدهما عن الاخر؟
فنقول: ان الاشياء تارة تختلف فيما بينها بالذات، بحيث يكون كل واحد منها مباينا للاخر في تمام حقيقته وذاته.
وتارة يكون الاختلاف بينهما ببعض الذات، بان يكون هناك فصل يوجب امتياز احدهما عن الاخر.
وتارة يكون الامتياز بينهما بسبب عوارض خارجية.
وتارة يكون بسبب الزيادة والنقصان، كالطول والقصر في خطين.
وتارة يكون بسبب الشدة والضعف، كامتياز بياض العاج عن بياض الثلج.
وفي القسمين الاخيرين يكون ما به الامتياز عين ما به الاشتراك.
وبهذا البيان يظهر ان امتياز الامر الوجوبي عن الامر الاستحبابي ليس باحد الاقسام الاربعة الاولى، ومع ادنى تامل يظهر ان الظاهر ان الطلب الانشائي من قبيل القسم الاخير، اعني ما يكون الامتياز فيه بالشدة والضعف.
فالطلب الانشائي نظير البعث الخارجي المباشري من حيث الحدة والشدة، فكما ان الانسان في الخارج قد يطلب شيئا بشدة بالغة، وقد يطلبه من دون تلك الشدة والقوة، فكذلك الطلب الانشائي، فان الطلب الوجوبي يمتاز عن الطلب الندبي بالشدة والضعف.
ولا يراد بالطلب الانشائي انه من قبيل المقولات المشككة حتى يقال: ان الامر الاعتباري ليس مقولا بالتشكيك، بل المقصود ان انشاء الطلب قد يقترن بامور تدل على تأكيد ذلك الانشاء وتاكده، وقد لا يقترن بامور توجب تاكد الطلب.
فاذا رجعنا الى اصل البحث نقول:
ان الطلب الندبي هو الطلب المقارن للاذن في الترك والامور الترخيصية.
واما الطلب الايجابي فهو الطلب المقارن للامور التي تفيد التاكيد والتاكد، او الخالي عن الامور التي يستفاد منها الترخيص في الترك.
فالامر حقيقة في الطلب، واما الوجوب فيستفاد من عدم اقتران الامر بقرينة تدل على الندب والترخيص في الترك.
فالطلب في هذه الصورة يكون تمام الموضوع والملاك لاستحقاق العقاب وصحة مؤاخذة المولى للعبد، وهذا هو حكم العقل بلزوم الانبعاث والتحرك نحو ذلك الطلب وتصدی المولى.
وذلك لان المولى قد بعث العبد وحركه نحو الفعل، ولم يعطه ترخيصا في الترك.
وعليه، فبمقتضى مولوية المولى وعبودية العبد، يكون الطلب موضوعا للزوم التحرك والانبعاث بحكم العقل، وفي هذه المرحلة يتصف الطلب بكونه وجوبا.
فالوجوب صفة تثبت للطلب، باعتبار ان الطلب صار تمام الموضوع والملاك لحكم العقل، واوجب لزوم التحرك والامتثال.
ويمكن ان يقال: ان منشأ ذلك ان الطلب الانشائي قد يكون مقترنا بالتأكيد والشدة البالغة، بحيث لا يكون المولى راضيا بالترك بوجه، وقد لا يكون كذلك؛ لان الطلب الذي يكون مقترنا بقرينة تدل على الترخيص في الترك، لا يستفاد منه تلك الشدة والتاكيد، ولا يصلح ان يكون موضوعا لحكم العقل بلزوم التحرك والامتثال؛ اذ للعبد حينئذ ان ياخذ بالترخيص.
فالطلب غير المقترن بالاذن في الترك يكشف عن وجود ارادة مؤكدة وطلب الزامي فيه.
وعليه، يتضح من مجموع ما ذكرناه ان دلالة الجملة الانشائية، سواء كانت بالمادة او بالصيغة، على الوجوب، على مبنى المحقق النائيني والمحقق البروجردي، دلالة عقلية استلزامية استكشافية، لا دلالة وضعية.
توضيح كلام المحقق البروجردي
وحاصل ما ذكره المحقق البروجردي قدس سره، كما ورد في تقريرات درسه، هو ان دلالة الجملة الانشائية على الوجوب انما تكون بالدلالة العقلية.
وذلك لان المولى الحكيم حين يقول: «اضرب زيدا» او «امرتك بكذا»، فان كلامه من حيث كونه فعلا من افعاله يدل على انه صدر منه عن قصد واختيار، ولم يكن صدور هذا الكلام منه لغوا ولا هزلا، بل صدر منه لافادة فائدة.
ومن حيث ان اللفظ صدر منه، اي انه تكلم بذلك اللفظ لافادة المعنى الموضوع له.
ومن هنا، وبما ان انشاء الطلب خال عن الاذن في الترك، يستكشف منه الوجوب؛ اما من جهة انه مقارن لامر يدل على تاكيد الطلب وتشدده من قبل المولى، واما من جهة ان نفس ذلك الطلب يكشف عن وجود ارادة مؤكدة في نفس المولى.
















ثبت دیدگاه